عندما تركنا وجبة الغدا قبل نيف وثلاثين عاما بسبب سياسات ( أسد أفريقيا وصنوه حمدوك ) الرعناء ، كان الامر صعبا وشيئا فشيئا تعودنا على هذه ( الفجوة ) الغذائية مابين العاشرة صباحا موعد الافطار والتاسعة والنصف ليلا موعد الوجبة التالية التي تسميها أمي أمد الله في عمرها ( الغداعشا) ، فهي فجوة زمنية تقدر بتسع ساعات ونصف الساعة بالتمام والكمال وظللنا نحمد الله على هذه المساحة الزمنية الثابتة فقد جعلتنا اكثر الناس صبرا عند حلول الشهر الكريم فلا نجوع ابدا حتى لو اننا نسينا سحورنا في ( كورتو) بعد أن تدربنا طوال سنوات مضت على الاكل ما بعد مغيب الشمس ، غير ان ازدياد كثافة سكان الخرطوم في السنوات العشر الماضية بما مقدار الثلث جعل حركة التنقل بين الاحياء المختلفة بالمحليات السبع والمركز امر صعب للغاية ويستغرق وقتا خرافيا ، وكنت قد زدت (الطين بلة) قبل ثمان سنوات بعد ان خرجت بـ(عيالي) من الثورة بالنص منزل ابي – رحمه الله – ورحلت منه الى منزل بالإيجار بحثا عن الخصوصية بالحارة 59 ، ثم غادرته سريعا الى منزلى بمدينة الصفوة غرب الولاية هربا من جحيم الايجارات المحرق ، غير اني باعدت المسافة ما بين بيتي والمركز حيث مكان العمل واصبحت اقطع مسافة اربعين كيلو مترا ذهابا ومثلها في الاياب لعدم وجود طريق مباشر يربط مدينة الصفوة الصفوة الإسكانية بأبي سعد ، واتسعت معها الفجوة الغذائية ( داخل بطني ) فقط ، حتى لاتقتادني الجهات الأمنية بتهمة الترويج لوجود مجاعة ، لتصبح ( الجوعة) لاحدى عشر ساعة وربما أكثر ، فنحن نركب من شارع السيد عبدالرحمن الى جاكسون ومن جاكسون الى سوق ليبيا ومن ليبيا الى الطلمبة الاخيرة ومنها الى الصفوة التي تبعد عنها بمسافة 20 كيلو مترا تقريبا بالطريق ( الملفوف) – والأن اضحت الصفوة مدينة مليشيا الدعم السريع المفضلة – ، أو عن طريق بحري الشعبي ليبيا ثم باقي المسار السابق ، لذا فأننا نكون في شوق وجوع شديدين لتناول ( الغدا عشا) هذا ، وبعده نؤدي في الغالب صلاتي المغرب والعشاء جمعا ، بسبب ان صلاة المغرب تدركنا كثيرا ونحن في جوف حافلة ذات (30 راكبا ) وهي المطلوبة ، او في جوف هايس ابو( الفي ) جنيه وهذا ما نخافه ، إذ تصل مركبتنا الى سوق ليبيا بعد التاسعة مساء بقليل بسبب تزاحم السيارات في الطريق وهي تئن مما تحمله من البشر الذين فاق تعدادهم في الخرطوم الولاية اعداد ( حصاها ونملها ) ربما ، وعقب ازمات الوقود الاخيرة قبيل الحرب أصبحنا ( نجي بكرة كما يقول الكوميديان حامد كسلا في اسكنتشاته الضاحكة ) أي بعد الواحدة صباحا .
وعبر هذه الزاوية المزعجة اليوم لعدد غير قليل من سكان الخرطوم الجدد ، فأنا لا اريد تخفيض عدد السكان بالعاصمة ولا أطمع في سيارة خاصة ابدا ، ولا استجدي (لقمة )غداء في مواعيدها ولكنني اسأل الله ان يهدي ولاة أمورنا الى طريقة يفكون بها الازدحام المروري في كل شوارع الولاية من السادسة مساء وحتى العاشرة وان يفكر السيد والي الخرطوم احمد عثمان حمزة ضمن اصلاحاته المحسوسة والملموسة لما دمرته الحرب ان يفكر جديا في ادخال الترام الى ام درمان الكبرى مرة أخرى بعد غياب 70 عاما في اقرب فرصة كحل نهائي ن بإعتباره ( ناقل جماهيري) بديلا للحافلات الصغيرة والكبيرة والبصات المتهالكة التي تتوقف في الجسور دون سبب ، وأن يفك أسر البصات الطويلة التي تناقلت اخبار وصولها أجهزة الإعلام المختلفة قبيل الحرب الملعونة الى ميناء بورتسودان و( الزراف ركوب الجن) .
خروج أخير
تأسرني الملوحة بالقراصة عند المحس والسكوت ، وتدفئنى العصيدة في الـ(قدح) بملاح التقلية التخين عند اهل دارفور ، ويسيل لعابي لعصيدة الجير بملاح النعيمية لدى اهل كردفان ، واكاد اطير وانا اتناول ملاح الكجيك الكارب بالعصيدة في ولاية النيل الازرق ، واعيش في هدوء بالغ وامامي مخبازة الشرق ولكننى قد لا اعي ما أقول عندما توضع أمامي قراصة من الشمالية او نهر النيل بـ(دمعة ) الدجاج خاصة ان كانت من دنقلا ، وتجعلني ( كسرة ) الجزيرة وسنار بـ( أم رقيقة ) أن أفكر في الزوجة الثانية ، ولكن الشية في قندهار قد تجعلني اعلن الإنفصال عن السودان من داخل بيتي (الغرب الامدرماني) واعلن انضمامي للجيش السوداني رغم تواجدي – اقامة – مع أنصار السنة وأنصار المهدي ومريدي الميرغني وأنصار ( المناصيص بالمرين ) من القوات المشتركة والكوز عبدالله جبريل صاحب الولائم الكاربة التي افتقدناها كثيرا خلال عامين ۔
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب ( الزراف ركوب الجن) وبخرة لوالي الخرطوم الهمام !!


