38.1 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

سفر القوافي  محمد عبدالله يعقوب انجح تمرد في السودان ۔۔ وثورة العبادي التي تجاوزت المائة عام !! 

إقرأ ايضا

التمرد لغة يعني الخروج عن المسار المتعارف عليه في كل شئ ، وفي السودان عرفنا التمرد ونحن ( شفع يفع) فقد وجدنا آباءنا يرتدون (الميري) ويمتشقون البنادق بسلاح المهندسين العريق ويتجهون صوب الجنوب ومنهم من عاد ومنهم من قبر هناك ، وبسبب التمرد رأينا أحزانا يعجز عنها الوصف في ذلك الزمان البعيد ، وعرفنا ان التي يموت عنها زوجها ستلبس الثوب الابيض والفستان الابيض ولاتقرب المكياج او ( المسوح او الريحة ) وتحمل اسم أرملة الشهيد فلان الفلاني ولكن نساء الحي يسمينها ( مرت الشهيد) ولها مكانة خاصة فينا ، وكنا نعتقد ان المتمردين هم صنف آخر من البشر آذانهم طويلة وكذلك أسنانهم والسنتهم كالبقر وعيونهم حمراء تضئ ليلا ، وكنا نسعد عندما يعود آباءنا بالسلامة من الجنوب ويحكون لأمهاتنا شيئا من بطولاتهم ومعاركهم مع المتمردين رغم أننا والجنوبيين أبناء وطن واحد وعرق واحد لكن الجهل كان سيد الموقف   ، فنخرج في اليوم التالي ونصنع البنادق من الخشب و(برنيطة) من الكرتون وكل واحد منا يحمل الرتبة التى يحملها والده ، الا الشلكاوي التاج إبن عمنا البتجاويش دوكة فرج فقد كان يكبرنا بعامين وقرر في تلك السن ان يكون زعيما للمتمردين رغم صغر رتبة والده لأسبابه الخاصة ( عرقا ) ، فإنضم اليه عدد منا لأن ، كما أن والدته كانت تجيد صنع ( الكفتة) التي لاتقاوم ، فتبعه كل ( الإكيلة) وبقينا نحن في جيش النميري – هكذا كنا نسمي قواتنا الصغيرة – فيما كان التاج يسمي جيشه انانيا 2 في محاكاة مطابقة للواقع ، ولكن الرئيس نميري سريعا ما أفاقنا من هذا الحلم بتوقيعه لإتفاقية السلام الناجحة وأصبح ( تلاتة مارس عيد .. يوم وحدة السودان ) وانفض السامر ، ليعيد الراحل الدكتور جون قرنق ذات السيناريو بعد تمرد الكتيبة 105 وانشقاقها عن الجيش بقيادة الضابط كاربينو كوانين في العام 1983 م عقب اعلان الدولة العمل بالشريعة الإسلامية بدلا عن القوانين الوضعية في البلاد ، ومن ثم انضم اليه العقيد جون قرنق الذي هرب من فرع البحوث العسكرية ، أحد أفرع القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة ليقاتل الجيش الذي خرج منه لعشرين عاما أو تزيد ومن ثم يأتي السلام ومن بعده الانفصال ، وحتى بزوغ شمس ثورة ديسمبر كان التمرد ماثلا ضد السلطة الحاكمة في البلاد عبر حركات دارفور والحركة الشعبية بالنيل الازرق وجنوب كردفان ، مع وجود تمرد ممنهج بالداخل من أحزاب المعارضة كالشيوعي والبعث والسوداني والامة ،  والإتحادي الديمقراطي وقوده الشباب .
ومن ثم جاء التمرد الأكبر الذي قاده ويقوده آل دقلو حتى يومنا هذا ، وجعل كل ارجاء بلادنا خرابا ومات الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال وبالطبع مئات العسكريين في الجيش والمشتركة والأمن والشرطة والمستنفرين بالمقابل قبر مئات الآلاف من متمردي الدعم السريع في ( حيشان ) بيوت المواطنين والشوارع والمقابر ومنهم من آكلت جثثهم الكلاب والقطط ۔
ولكن هناك تمرد من نوع آخر حقق ثورة في سماء السودان منذ أمد بعيد  ، وادواته الاوركسترا والشعر والخروج عن المألوف إجتماعيا ويأتي عبر صغار المغنيين الذين يرسمون الدهشة كل صباح في وجوه أهل السودان بغريب اللفظ واللحن والاداء ، وبما أن نتائجه ليست آنية فإن المتعايشين معه يعتبرونه ( شقاوة عيال ) وما دروا انه قد يصبح قاعدة صلبة لفن جديد سيسود البلاد تماما كما يفعل ( ناظر محطة القطار) بالتحويلة  أو الناظر ترك ناظر عموم قبائل البنا الآن .. فبعد عشر سنوات سيصبح ما نعرفه من موسيقى وغناء اليوم المستمد من إرث الرواد ، والمشابه لما كان يؤديه الطنبارة بالنسبة لنا ، سيصبح في عداد الآثار المنقرضة ، ففي بداية القرن الثامن عشر تمرد الشاعر ابراهيم العبادي ليكتب أولى الاغنيات المتعارف عليها في العام 1919 بحسب الفنان الراحل على مصطفى الشهير بالدكشنري ، أو في بداية العشرينات بحسب الاستاذ عوض بابكر حامل لواء الحقيبة في السودان ، ليكتب العبادي ( ببكي وبنوح وبصيح ) ويلحنها ويتغنى بها عميد الفن السوداني الحاج محمد سرور لتصبح لبنة لنوع جديد من الغناء الممنهج إستمر الى يومنا هذا ، اذن هذا هو التمرد الناجح والوحيد في عبر تاريخ السودان منذ عهد جدنا الأول بعانخي وحتى يومنا هذا ، وببكي وبنوح وبصيح للشوفتن بتريح !!
خروج أخير
مازال الجنجويد يحلمون بحكم السودان على اختلاف أعراقه ۔۔ فهذا لبس تمردا بل جنونا يصعب علاجه الا بالقرنوف ۔

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة