. الخرطوم – في ظل ظروف استثنائية تلت تحرير العاصمة من سيطرة ميليشيات سابقة، برز أحمد عثمان حمزة، والي ولاية الخرطوم، كقائد إداري فذ. تجربته في قيادة الولاية الأكثر تعقيداً بالسودان، وسط شح الموارد ودمار شامل، تقدم دروساً في الإرادة والتنظيم والتواصل المباشر مع المواطنين.
. التواصل المباشر: سمة قيادية نادرة:-
لطالما اعتاد المواطنون والصحفيون على حواجز متعددة عند محاولة التواصل مع المسؤولين الكبار، من حراس شخصيين إلى مدراء مكاتب. لكن تجربة الاتصال بوالى الخرطوم كانت مغايرة. رغم الثقل الهائل للمهام الملقاة على عاتقه، وإدارة ولاية خرجت لتوها من معركة مصيرية، يرد الوالي بنفسه على المكالمات الهاتفية من أرقام غير معروفة. هذه السمة – التواصل المباشر غير المقيد – لم تكن مجرد مفاجأة، بل كانت مؤشراً مبكراً على نمط قيادة استثنائي قائم على الانفتاح وإدراك حجم المسؤولية تجاه المواطن.
اتصل صديقي الصحفي حسن البصير فوجد الهاتف يُرفع مباشرة من قبل الوالي دون وسيط، لتكون تلك اللحظة نقطة انطلاق لقراءة عميقة في فلسفة الحاكم الذي يتعامل مع المنصب كواجب يومي وليس كامتياز.
.التنظيم الدقيق: حاكم لا ينتظر الساعه بل يسبقها:-
اللقاء المحدد مع الوالي بعد التاسعة مساءً في مكتبه بأم درمان لم يكن مجرد موعد عابر. الوصول قبل الموعد بربع ساعة كشف عن دقة تنظيمية لافتة: اسم الزائر مسجل مسبقاً على قائمة الاستقبال، والتأكيد على الالتزام بالوقت المحدد من قبل مدير المكتب ليس مجرد إجراء روتيني، بل فلسفة إدارية. يظهر السيد الوالي احمد عثمان حمزة أن الإنجاز الكبير في مواجهة التحديات الجسام يبدأ بتنظيم دقيق للوقت وترتيب الأولويات، وهي قيمة أساسية يفتقدها العديد في مواقع المسؤولية.
. طاقة لا تنضب: قيادة على مدار الساعة:-
ما يثير الإعجاب في تجربة والي الخرطوم هو استمرارية الدفع والإصرار بعد أكثر من عامين على توليه المهام. إدارة مدينة بحجم وتعقيد الخرطوم، وهي تعاني من آثار الدمار الشامل وتعطل الخدمات الأساسية، تتطلب طاقة جسدية وعقلية هائلة. السيد والي ولاية الخرطوم احمد عثمان حمزة يجسد نموذج القائد الذي يعمل بلا كلل، مدفوعاً – كما تشير كل الشهادات – بإخلاص عميق وحب حقيقي للوطن وتفانٍ نادر في أداء الواجب. تقديم من مجلس السيادة ومن الشعب السوداني وسام أو كلمات ثناء لن يكون كافياً لتكريم هذا المستوى من العطاء؛ فعزيمته وإصراره يشكلان محركاً لا يهدأ.
.إدارة ملف العودة الطوعية: نهج عملي وواقعي:-
في لقاء موجز لم يتجاوز العشر دقائق – وهو ما يعكس احترامه لوقت الآخرين أيضاً – أوضح السيد الوالي احمد عثمان حمزة رؤية ولاية الخرطوم الملموسة لملف عودة النازحين، أحد أكثر الملفات إلحاحاً وإنسانية. لم تكن وعوداً عامة، بل شرحاً مؤجزاً وواضحاً لاستراتيجية تقوم على عدة ركائز:
.التنسيق مع الولايات المضيفة:- (مثل القضارف) لضمان تسهيل عملية العودة وتوفير سبل آمنة.
.توفيق الأوضاع بعد العودة: العمل على حل المشكلات الإدارية والمجتمعية التي قد تعترض العائدين.
.إعداد البنية التحتية الأساسية:- بالتوازي مع عمليات العودة، لاستقبال المواطنين في بيئة تستطيع تقديم الحد الأدنى من الخدمات.
هذا النهج يعكس فهماً عميقاً لتعقيدات الملف وضرورة العمل الميداني المنسق، بعيداً عن الشعارات.
.إعادة الإعمار: مواجهة الدمار برؤية عملية
تعدى التحدي في الخرطوم مرحلة الطوارئ إلى مرحلة إعادة البناء الشاقة. التقارير الميدانية تشير إلى:
.دمار هائل: طال البنية التحتية الحيوية (الكهرباء، المياه، الصرف الصحي)، والمرافق الصحية، والمدارس، والطرق.
.برنامج إعمار طموح: رغم شح الموارد، تم إطلاق برامج لإعادة التأهيل تعتمد على الأولويات القصوى لاستعادة الحياة الطبيعية، بالتركيز على الخدمات الأساسية أولاً.
يقود السيد والي احمد عثمان
حمزة هذه الجهود بإدراك أن استعادة الأمل للمواطنين تمر حتماً عبر استعادة مظاهر الحياة اليومية والعمل المنتج.
.يوم في حياة الوالي: قدوة في الجهد والانضباط
لم يكن برنامج والي الخرطوم اليومي مجرد كلام. ورقتا البرنامج اللتان قدمهما للصحفي كانتا دليلاً مادياً على منهجيته:
.اليوم الأول: –
يبدأ بعد صلاة الفجر مباشرة، يليه طواف ميداني مكثف يغطي 3-4 محليات. يركز هذا الطواف على:
.تفقد الخدمات الصحية (المستشفيات، المراكز).
.متابعة جهود إصحاح البيئة ومشاريع المياه.
.تشغيل ومتابعة شبكات الكهرباء.
دعم الأسر الضعيفة وتفقد لجان الأحياء.
.اليوم الثاني:- برنامج مماثل من التحرك الميداني والمتابعة والاجتماعات، مخطط مسبقاً بنفس الدقة.
هذا الروتين اليومي الحافل، الذي يكرس معظم ساعات اليوم (والمساء غالباً) للعمل، ليس مجرد جدول، بل هو تجسيد لالتزام نادر وقدرة فائقة على التحمل، يجعل منه نموذجاً يحتذى في الإدارة بالأثر الميداني المباشر.
.”ماكينة العطاء”.. كيف يقود أحمد حمزة معركة إعمار الخرطوم:-
السيد الوالي أحمد عثمان حمزة يمثل حالة قيادية استثنائية في مرحلة بالغة الحرج من تاريخ السودان. قاد العاصمة بإمكانيات شبه معدومة، وسط شلل تام للحياة العامة وانهيار للخدمات. تميزه لا يكمن فقط في طاقته الهائلة وصبره، بل في قيم الورع والإخلاص التي توجه عمله، وفي رؤيته التنظيمية الواضحة، وقدرته على التواصل المباشر مع هموم المواطنين. لقد أثبت أن الإرادة الصلبة والتنظيم الدقيق والتواصل الفعال يمكن أن تشق طريقاً نحو إعادة البناء حتى في أحلك الظروف. قيادته تقدم إجابة عملية على سؤال: كيف يمكن إدارة المستحيل؟
جوابه: بالعمل الدؤوب المنظم، وبقلب مفتوح للشعب، وبإيمان لا يتزعزع بواجب خدمة الوطن في أصعب لحظاته.


