. مقدمة:-
يشهد السودان منذ أبريل 2023 الحرب التي أشعل شررتها الدعم السريع بتمرده على القوات المسلحة، وقد خلّفت هذه الحرب آثارًا إنسانية واقتصادية واجتماعية مدمرة. إلا أن أحد أخطر الآثار، والتي غالبًا ما تُغفل في خضم الصراع، هي الآثار البيئية العميقة التي تتحول إلى جرائم بيئية ناشئة تهدد الأمن بجميع مستوياته: الوطني والإقليمي والإنساني. فالدعم السريع على وجه الخصوص ارتكب أفعالاً ممنهجة ذات أثر بيئي بالغ؛ مثل تهريب الذهب عبر شبكات دولية إلى الإمارات منذ 2021 وحتى تصاعد الحرب في 2023 (بلومبيرغ، رويترز)، ما حرم السودان من موارده الحيوية، إضافة إلى حرق المحاصيل الزراعية في ولاية الجزيرة (ديسمبر 2023)، وهو ما أدى إلى تدمير الأمن الغذائي وتشريد آلاف المزارعين. كما وردت تقارير عن تسميم آبار المياه في مناطق الجزيرة (القضارف – مدني) مطلع 2024، ما أدى إلى نفوق الماشية وإصابة مئات السكان بأمراض معوية (تقارير CEOBS، BBC). هذه الممارسات تبرهن أن البيئة أصبحت أداة للحرب وتصفية الحسابات.
. الإطار المفاهيمي للجرائم البيئية في زمن الصراع:-
الجرائم البيئية هي انتهاكات جسيمة تطال النظم البيئية وتلحق أضرارًا مباشرة بصحة الإنسان، وغالبًا ما تُرتكب في أوقات الحروب. في حالة السودان، تحولت البيئة إلى سلاح في الحرب، سواء عبر استهداف الموارد الحيوية أو حرمان المجتمعات المحلية من مقومات الحياة. هذه الجرائم لم تعد تقتصر على التلوث المحلي أو الصيد الجائر، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية عسكرية ممنهجة تهدف إلى إضعاف المقاومة وتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للسودان.
. الفاعلون الرئيسيون والجرائم البيئية المرتكبة:-
أبرز الفاعلين في هذه الجرائم هم قوات الدعم السريع والميليشيات المرتبطة بها، والتي نفذت سلسلة من الهجمات الممنهجة ضد البيئة والموارد الطبيعية:-
.تدمير البنية التحتية الحيوية: تم قصف مصافي النفط ومحطات المياه، مما أدى إلى تسرب المشتقات النفطية للتربة والمياه الجوفية، واستهداف محطات معالجة الصرف الصحي في الخرطوم، ما تسبب في اختلاط مياه الصرف بمصادر الشرب وخلق بؤر أوبئة مثل الكوليرا.
.النهب المنظم للموارد الطبيعية وتهريبها: تم تهريب الاثار و تهريب الذهب إلى الخارج، وخاصة إلى الإمارات، مما أضعف الاقتصاد الوطني وحرم السودان من أهم موارده المالية. كما تم قطع الأشجار المعمرة (الهشاب والطلح) في دارفور وكردفان وتهريبها كأخشاب أو فحم إلى دول الجوار.
.الحرب على الزراعة والأمن الغذائي: تم حرق المحاصيل في مشروع الجزيرة (ديسمبر 2023 – يناير 2024) ما أدى إلى خسائر كارثية في إنتاج القمح والذرة، وتسميم آبار المياه في الجزيرة والمناقل لتعطيل حياة المدنيين وإجبارهم على النزوح.
.إدارة النفايات الخطرة: التخلص العشوائي من النفايات الطبية والصلبة في المناطق الحضرية مثل الخرطوم، مما خلق مكاره صحية ومصادر تلوث خطيرة.
. الجرائم البيئية الناشئة: المفهوم والتطور في عصر التكنولوجيا والعولمة:-
لم تعد الجرائم البيئية تقتصر على الأفعال التقليدية كالصيد الجائر أو التلوث المحلي. ففي سياق الصراعات المسلحة الحديثة، مثل الحرب في السودان، برز مفهوم “الجرائم البيئية الناشئة” التي تتسم بالتعقيد والارتباط بالتقنيات الحديثة والعولمة. تشمل هذه الجرائم:-
.الاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعية (مثل الذهب والمعادن النفيسة) لتمويل الحرب. حيث وثّقت تقارير أن الدعم السريع يسيطر على مناجم الذهب في دارفور (جبل عامر) ويهرّب إنتاجها إلى دبي عبر طائرات خاصة (رويترز 2023).
.التلوث المتعمد للمصادر المائية والتربة كتكتيك عسكري، كما في تسميم آبار الشرب في الجزيرة مما أضر بآلاف المدنيين.
.الحرق العشوائي للمحاصيل والغابات لتجريف سبل العيش، كما حصل في مشروع الجزيرة الزراعي حيث دُمّرت مساحات واسعة من القمح والذرة في موسم 2023/2024.
.الاتجار غير المشروع بالنفايات الخطرة عبر الحدود، مستغلين ضعف الرقابة بسبب الحرب. لقد وسعت العولمة من نطاق هذه الجرائم، حيث يتم تهريب المواد المنهوبة عبر شبكات دولية معقدة، بينما وفرت التكنولوجيا أدوات جديدة لتنفيذها وإخفاء آثارها، مما يجعلها جريمة منظمة عابرة للحدود تهدد الاستقرار العالمي.
. آثار الجرائم البيئية على الأمن القومي والدولي والمجتمعي:-
تتجاوز تأثيرات هذه الجرائم الأضرار الإيكولوجية المباشرة لتُهدد الأمن في صميمه:-
.على مستوى الأمن القومي السوداني: أدى تدمير مشروع الجزيرة بحرق محاصيل القمح والذرة (ديسمبر 2023 – يناير 2024) إلى تقويض الاقتصاد الزراعي الذي يمثل عصب معيشة ملايين الأسر. كما تسبب تسميم الآبار في مناطق المناقل ومدني في نزوح مئات الأسر بعد انتشار الأمراض.
.على الصعيد الدولي: فإن تدهور الأراضي السودانية، خصوصًا في حوض النيل الأزرق والجزيرة، يهدد الأمن المائي لدول الجوار (إثيوبيا ومصر)، مما قد يفتح بابًا لصراعات إقليمية جديدة.
.على المستوى المجتمعي والإنساني: تسببت أفعال الدعم السريع في موجات نزوح جديدة: أكثر من 10 مليون نازح من الخرطوم الجزيرة الى والولايات الاخرة ابريل 2023م (الأمم المتحدة – OCHA)، ما فاقم الأزمة الإنسانية وهدد الأمن المجتمعي.
. التشريعات والسياسات البيئية: التحديات والحلول:-
تواجه المنظومة القانونية الدولية تحديات كبرى في مواجهة هذه الجرائم:-
.فجوة المساءلة: يصعب تصنيف الجرائم البيئية إلا إذا اعتُبرت جرائم حرب. لذا لم يُحاسب الدعم السريع حتى الآن رغم تدميره الممنهج للموارد البيئية.
.الحلول المقترحة تشمل:-
.اعتماد بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف يجرّم صراحة الأفعال البيئية في النزاعات.
.تمكين المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة هذه الأفعال كجرائم حرب.
.دعم مستقبل المؤسسات البيئية والقضائية في السودان لإصدار تشريعات وطنية رادعة.
. استراتيجيات الوقاية والتصدي للتحديات البيئية الحديثة:-
لمواجهة هذه الجرائم، يجب تبني استراتيجيات متكاملة:-
.إنشاء نظام إنذار مبكر باستخدام صور الأقمار الصناعية لرصد الحرق والقطع الجائر. وقد وثّقت صور الأقمار الصناعية بالفعل حرق مساحات شاسعة في مشروع الجزيرة (ديسمبر 2023).
.تشكيل فرق تحقيق بيئية جنائية دولية لجمع الأدلة من مناطق الحرب.
.إنشاء صناديق إعادة إعمار بيئي لإعادة تأهيل المشاريع الزراعية المتضررة، كإحياء الجزيرة.
. دور قوات الدفاع المدني السوداني في الحد من الجرائم البيئية الناشئة:-
رغم ضعف الإمكانيات والضغوط الكبيرة التي تواجه السودان في ظل الحرب، برز دور قوات الدفاع المدني كخط دفاع أول في مواجهة كثير من الجرائم البيئية الناشئة:-
.مكافحة الحرائق الزراعية: تدخلت فرق الدفاع المدني في ولاية الجزيرة وولاية سنار لإخماد الحرائق التي أشعلتها قوات الدعم السريع في مشاريع القمح والذرة (ديسمبر 2023 – يناير 2024)، حيث تمكنت من تقليل الخسائر في بعض المناطق، رغم قلة المعدات والوقود.
.تأمين مصادر المياه: عملت قوات الدفاع المدني على معالجة حالات تسميم آبار المياه عبر التنسيق مع وزارة الصحة والسلطات المحلية، خصوصًا في منطقة المناقل ومدني، إذ قامت بعمليات تفريغ وتعقيم لعدد من الآبار الملوثة.
.الإغاثة والإنقاذ: شاركت وحدات الدفاع المدني في إجلاء السكان من القرى التي تعرضت لهجمات الحرق والتدمير، مما ساهم في تقليل عدد الضحايا وحماية الفئات الأكثر ضعفًا.
.التنسيق مع المجتمع المحلي: اعتمد الدفاع المدني على المجتمعات الريفية واللجان الشعبية كجزء من خطط الإنذار المبكر، من خلال الإبلاغ عن الحرائق أو التلوث، وهو ما عزز قدرة الاستجابة.
.التطهير والتعقيم الصحي: لعبت قوات الدفاع المدني دورًا مهمًا في عمليات التطهير الصحي والتعقيم للمناطق الملوثة، خاصة بعد حوادث تسميم المياه وتكدس النفايات في مدن مثل الخرطوم ومدني، بالتنسيق مع وزارة الصحة ومنظمة الهلال الأحمر السوداني.
.إزالة الجثث ومنع الأوبئة: في المناطق التي شهدت هجمات عنيفة من قوات الدعم السريع (مثل الجنينة وكوستي)، قامت وحدات الدفاع المدني بالتعاون مع السلطات الصحية والهلال الأحمر بانتشال الجثث ودفنها بطريقة صحية للحد من انتشار الأوبئة والتلوث البيئي.
.إزالة الألغام والمتفجرات: شاركت قوات الدفاع المدني، بالتنسيق مع الهيئة القومية للألغام والمنظمات الدولية، في عمليات الكشف وإزالة المتفجرات ومخلفات الحرب التي خلفتها الهجمات، خاصة في مناطق الخرطوم ودارفور. وقد ساعد ذلك في تأمين الممرات الإنسانية وتقليل الخسائر بين المدنيين.
.التحديات: رغم هذه الجهود، ما زالت قوات الدفاع المدني تعاني من نقص التجهيزات، قلة الموارد، وضعف شبكات الاتصالات بسبب الحرب، مما حدّ من فعاليتها. ومع ذلك، ظلت تشكل عنصرًا أساسيًا في تخفيف آثار الجرائم البيئية ومواجهة استراتيجيات الحرب التي استخدمت البيئة كسلاح.
. الوعي العام والتعليم: أدوات مواجهة الجرائم البيئية:-
يُعد رفع الوعي المجتمعي وتعزيز التعليم البيئي ركيزة أساسية لمواجهة الجرائم البيئية، حيث يمكن للمجتمعات المحلية أن تلعب دورًا حاسمًا في كشف ومنع هذه الجرائم. وقد أطلقت قوات الدفاع المدني بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني حملات توعوية في المناطق المتضررة مثل الجزيرة ودارفور، ركزت على:-
.تثقيف المزارعين حول كيفية مراقبة وحماية أراضيهم من عمليات الحرق والتخريب.
.تدريب متطوعين محليين على استخدام أنظمة الإنذار المبكر للإبلاغ عن الحرائق أو تلوث المياه.
.إدراج مفاهيم الحماية البيئية في المناهج التعليمية لبناء جيل واعٍ بأهمية الموارد الطبيعية وخطورة الجرائم البيئية.
.استخدام الإذاعات المحلية ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات عن الآثار المدمرة لتدمير البيئة، مما يساهم في كسر حاجز الصمت حول هذه الجرائم.
. التعاون الدولي: آليات المساءلة والدعم:-
يواجه السودان تحديات جسيمة في محاسبة مرتكبي الجرائم البيئية بسبب تعقيدات الحرب وضعف المؤسسات، مما يجعل التعاون الدولي ضرورة حتمية. وتتضمن آليات هذا التعاون:-
.دعم المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة قوات الدعم السريع بتهمة ارتكاب جرائم بيئية تُصنف كجرائم حرب وفقًا لنظام روما الأساسي.
.تشكيل لجان تحقيق دولية مستقلة (مثل تلك التابعة للأمم المتحدة) لتوثيق الانتهاكات البيئية في السودان وجمع الأدلة.
.فرض عقوبات دولية على الدول والشركات المتورطة في تهريب الذهب والخامات السودانية، خاصة في الإمارات ودول الجوار.
.توجيه دعم مالي وفني لمنظمات البيئة السودانية من خلال برامج الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لتمكينها من الرصد والتوثيق.
. نحو استراتيجية شاملة لمواجهة الجرائم البيئية:-
إن مواجهة الجرائم البيئية في السودان تتطلب أكثر من الإجراءات الآنية؛ فهي بحاجة إلى استراتيجية وطنية ودولية شاملة تعتمد على أربعة محاور:-
.المساءلة: عبر آليات قانونية دولية لمحاسبة المتورطين في تدمير البيئة، بما في ذلك استخدام نظام روما الأساسي لتجريم هذه الأفعال كجرائم حرب.
.الإعادة: إعادة تأهيل المناطق المتضررة مثل مشروع الجزيرة ومناجم الذهب في دارفور، بدعم تقني ومالي من المنظمات الدولية المتخصصة.
.الحماية: تعزيز قدرات قوات الدفاع المدني والأجهزة البيئية بتوفير معدات متطورة وتدريب كوادر وطنية على مواجهة الجرائم الناشئة.
.الوقاية: عبر بناء نظام إنذار مبكر يعتمد على التقنيات الحديثة، وتعزيز الوعي المجتمعي عبر منصات الإعلام والتعليم.
فالبيئة السودانية ليست مجرد موارد اقتصادية، بل هي تراث وطني وأمن قومي يجب الدفاع عنه بكل الوسائل. ولا بد من تضافر جهود المجتمع الدولي لوضع حد للإفلات من العقاب، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استمرار تدهور البيئة في السودان يهدد استقرار المنطقة بأكملها. إن حماية هذه الموارد هي حماية للمواطن السوداني أولاً، ولمستقبل الأجيال القادمة التي تتحمل تبعات حرب لم تخترها. فقط من خلال التعاون المشترك لحماية هذه الموارد لأجيال المستقبل، يمكن للسودان أن يبدأ عملية التعافي ويبني مستقبلاً مستداماً للجميع.
.شكر وعرفان إلى القيادة:-
. سيادة الفريق أول شرطة / بابكر أبو سمرة وزير الداخلية الموقر.
.سيادة الفريق دكتور / عثمان عطا مصطفى مدير عام الدفاع المدني الموقر.
.سيادة اللواء شرطة حقوقي/ يوسف الإمام مدير قوات الدفاع المدني بولاية الخرطوم.
.السادة اللواءات المساعدون لمدير قوات الدفاع المدني الأكارم.
.ولكل ضباط قوات الدفاع المدني وضابط الصف والجنود.
.يطيب لي أن أعبر عن أصدق مشاعر الشكر والتقدير على ما بذلتموه من جهود جبارة وتضحيات طيلة فترة الحرب. لقد وقفتم كالجبال الشامخة في وجه الأعاصير، تضمدون جراح الوطن وخاصة في مكافحة جرائم البيئة ، وتدافعون عن حياة المواطنين وممتلكاتهم في أصعب الظروف وأقساها. لقد كان دوركم الوطني المشرف، تحت القيادة الحكيمة لسيادة وزير الداخلية، عنواناً للتضحية . إن المجهودات الاستثنائية التي قمتم بها في مكافحة جرائم البيئة الناشئة ضد الامن القومي، ومجابهة الآثار الكارثية للحرب، لتشهد لكم بالكفاءة العالية، والإخلاص النادر، والحرفية المهنية. لقد كنتم بحق جنوداً مجهولين في ساحة الشرف، تحملتم المسؤولية بكل جدارة واستحقاق. فلكم منا جميعاً كل التحية والتقدير، ولكم من الوطن كل الوفاء والاعتراف بفضلكم. نسأل الله العلي القدير أن يحفظكم ويسدد خطاكم، وأن يوفقكم لكل ما فيه خير وسلامة هذا الوطن الغالي.


