. لم تكن ولادة “البراءون” مجرد صدفة عابرة في مسيرة التاريخ السوداني، ولا كانت نتاج تخطيط تقليدي نمطي، بل كانت انبثاقاً تلقائياً عضوياً من رحم إرادة شعب أبى أن يستسلم لواقع مرير فرضته مليشيا الدعم السريع. لقد خرج هؤلاء الشباب من صميم المجتمع، من بيوتهم، من أحلامهم الشخصية المعلقة، ليحملوا على عاتقهم قضية وطن كامل، مقدمين أنفسهم كأغلى هدية يقدمها الشعب لنفسه. لم ينتظروا تدريباً عسكرياً طويلاً، ولم يلهثوا وراء مراكز أو نفوذ، بل كانت بوصلة توجههم واحدة لا تتزحزح: الدفاع عن الأرض والعرض والسيادة. لقد حملوا مع الجيش السوداني عبء تحرير البلاد من دنس مليشيا الدعم السريع التي أرادت تمزيق نسيج الوطن وطمس هويته، حاملين في صدورهم عقيدة راسخة بأن تحرير كل شبر من تراب السودان هو إعادة لرفع علم الاستقلال للمرة الثانية، لكن هذه المرة بطعم مختلف، طعم الانتصار الحقيقي الذي تُسترد فيه الكرامة بعد حرب كرامة فرضت على الشعب السوداني الأبي.
– كان الجوهر والفكرة ترك سؤال مطروح من هم البراءون؟:-
لم يكن “البراءون” مجرد مقاتلين انضموا إلى جبهة قتال، بل كانوا ظاهرة اجتماعية وسياسية وعسكرية فريدة، تجسدت في آلاف الشباب الذين قرروا بوعي تام أن يقفوا سداً منيعاً في وجه المشروع الإرهابي الذي هدد كيان الدولة السودانية. لقد كان خيارهم واضحاً وحاسماً، لم يكن هناك مساحة للتردد أو البحث عن مخرج، لقد وضعوا نصب أعينهم خيارين لا ثالث لهما: إما النصر أو الشهادة. هذا التصور لم يكن شعاراً رناناً يرفع للاستهلاك الإعلامي، بل كان منهج حياة وعقيدة قتال تجسدت على أرض الواقع. تشير التحليلات الاستراتيجية إلى أن ظاهرة “البراءون” مثلت حالة من “التعبئة المجتمعية الشاملة” التي تنشأ عادة عندما تصل الأخطار إلى مستوى التهديد الوجودي، حيث تذوب الفوارق بين المدني والعسكري في بوتقة الدفاع عن الوطن. لقد فهموا أن المعركة ليست معركة الجيش النظامي وحده، بل هي معركة مصير يشارك فيها كل مواطن قادر على حمل سلاح أو تقديم دعم.
– الجذور والسياق التاريخي ابرز دور المقاومة الشعبية:-
لم تنشأ المقاومة الشعبية المسلحة “البراءون” من العدم ، بل جاءت كرد فعل طبيعي وحتمي على الفجوة الامنية التي خلفها تمرد الدعم السريع والتدمير الهائل لمؤسسات الدولة الذي خلقه انقلاب مليشيا الدعم السريع على الشرعية ومحاولتها السيطرة على مقاليد الحكم بالقوة. وفقاً لتقارير حقوقية دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”، مارست المليشيا انتهاكات جسيمة شملت القتل العشوائي، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والتهجير القسري للمدنيين، مما دفع بالمواطنين للبحث عن وسيلة للدفاع عن أنفسهم. في هذا السياق، تحولت المقاومة من مفهوم نظري إلى ضرورة عملية للبقاء. لقد أدرك الشباب السوداني أن التحدي ليس مجرد تغيير نظام حكم، بل هو مواجهة مشروع إرهابي يهدف إلى تفكيك الدولة الوطنية واستبدالها بنموذج يقوم على الولاءات القبلية والعصبية المسلحة، وهو ما يتناقض جذرياً مع قيم المجتمع السوداني المتجذر في الوطنية والتعددية السلمية.
– المسار والتطور هما الدفاع المحلي الاساسي إلى تحرير كل شبر من تراب الوطن:-
ما بداته التعبئة الشعبية كانت جهود محلية متناثرة للدفاع عن الأحياء والقرى تحول بسرعة مذهلة إلى هيكل تنظيمي متماسك تحت مظلة “المقاومة الشعبية المسلحة”، التي تنسق بشكل كامل مع الجيش السوداني. لقد أثبت “البراءون” كفاءة قتالية عالية وتفانياً نادراً في ساحات الوغى. كانت ولاية الجزيرة واحدة من أولى المحطات التي كتب فيها “البراءون” ملاحم تحرير مبهرة، حيث ساهموا بشكل حاسم في طرد مقاتلي المليشيا من مناطق كانت تعتبر معاقل صعبة. تبع ذلك معارك شرسة في ولاية الخرطوم، القلب النابض للبلاد، حيث شارك “البراءون” في عمليات تطهير استراتيجية لأحياء ومؤسسات حكومية كانت تحت سيطرة المليشيا. ولم تتوقف مسيرتهم عند هذا الحد، ففي ولاية سنار، كان لهم دور محوري في صد هجمات المليشيا وحماية المدنيين. وتتواصل المعركة اليوم في جبهات كردفان والفاشر، حيث يكتب “البراءون” مع إخوانهم في الجيش النظامي فصولاً جديدة من البطولة والتضحية، معلنين للعالم أن إرادة الشعوب لا تُقهَر.
– العقيدة والدافع الاساسي حب الوطن والذي كان يحارب من أجله البراءون:-
نحن نتخدث في عالم تختلط فيه الأوراق وتتداخل المصالح ويفتك العدو بترلب الوطن وبشعبه، وفي المرحلة الحرجه ظل “البراءون” متمسكين ببوصلتهم الأخلاقية بوضوح لافت. لم يحملوا السلاح انتقاماً أو حقداً، ولم يقاتلوا من أجل حزب أو جماعة أو أيديولوجية ضيقة. شعارهم كان جامعاً مانعاً: شعب واحد.. جيش واحد. لقد فهموا أن المعركة هي معركة وجود، وأن الانتصار فيها هو شرط أساسي لأي مستقبل يمكن أن يحلم به السودان. تقارير المراقبين الدوليين، مثل تلك الصادرة عن “مجموعة الأزمات الدولية”، أشارت إلى الطابع “الوطني المحض” لهذه المقاومة، مقارنةً بالدوافع الاقتصادية والغنائم التي تحرك العديد من المليشيات. لم يكن المال أو المنصب أو النفوذ حاضراً في حساباتهم، بل كانت قيم الجهاد في سبيل حماية الضعفاء، وتحقيق النصر للوطن، أو نيل شرف الشهادة من أجله، هي القيم الحاكمة التي توجه فعلهم وتضحيته. لقد قدموا نموذجاً نادراً للتطوع الوطني الخالص من شوائب المصالح الشخصية.
– التحديات والتضحيات كانت هي ثمنا” للحرية الغير مجانية:-
لم يكن طريق “البراءون” مفروشاً بالورود، بل كان مساراً شاقاً تخللته تضحيات جسام. لقد دفع هؤلاء الشباب ثمناً باهظاً من دمائهم وأرواحهم في سبيل أن يظل السودان حراً أبياً. وراء كل انتصار تحقق، كانت قصة لشهيد ، وجريح، وأسرة فقدت عائلها، وطفل حرم من والده. هذه التضحيات لم تكن عبثاً، بل كانت الشعلة التي أضاءت الطريق للآخرين، وأذابت جليد الخوف في نفوس الكثيرين. لقد واجه “البراءون” تحدي النقص في العدة والسلاح مقارنة بالمليشيا المدعومة إقليمياً وخاصة من دويلة الشر الامارات ، وتحدي الحرب الإعلامية المضادة التي حاولت تشويه صورتهم ووصفهم بـ”الميليشيات”، رغم أن الفارق الجوهري أنهم ينتمون لشرعية الدفاع عن الوطن وليس لهدم دولته. ورغم كل هذه التحديات، فإن إيمانهم الراسخ بعدالة قضيتهم ومنبع تضحيتهم النابع من إرادة الشعب، هو الذي منحهم الصلابة والاستمرارية.
في الختام البراءون بصمة لا تُمحى في سجل التاريخ يمكن القول انهم لم يكونوا فقط مجرد مقاتلين في لحظة تاريخية عابرة، بل هم مدرسة وطنية جديدة، وجيل أعاد تعريف مفهوم المواطنة الفاعلة، مواطنة لا تقف عند حدود الحقوق بل تمتد إلى التزامات الدفاع عن الوطن عندما تدق طبول الخطر. هم جيل رفض أن يكون رقماً في معادلات القوى الإقليمية، أو أن يكون ضحية لمشاريع التفكيك، فاختار أن يكون صانعاً لقدره ومصيره. قصة نضالهم وتضحيتهم ستبقى محفورة في ذاكرة الأمة السودانية، كاستمرار لسلسلة من الشهداء والمجاهدين الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل أن يظل السودان شامخاً حراً كريماً. لقد أثبتوا أن إرادة الشعوب عندما تتوحد حول قضية عادلة، تصبح أقوى من كل السلاح وأعتى من كل المليشيات. هم لم يحققوا انتصارات ميدانية فحسب، بل استعادوا الكرامة للوطن، وزرعوا الأمل في جيل كامل، وأرسوا تقاليد جديدة للنضال ستظل مشعلاً ينير الطريق للأجيال القادمة، أن دماء الشهداء هي التي تروي شجرة الحرية وتضمن استمرارها.


