ليسمح لي شاعرها استعارة الكلمات عنوانا لخيط أنسج منه ملفحة تدثر اشواقي الحرّى في هذا الشتاء…
ما أجمل القرية ياأحباب،
الحياة فيها ريانة بالصدق، إذ كم تضفي المدن من غبش على الجدان فيغبش فينا نصاعة التعبير، ولأن استقبلت من عمري مااستدبرت لتمنيت الكثير، فقد قدر لي الله أن يكون مولدي ونشأتي في مكان تضمحل فيه قسمات القرية، إنها كسلا التي تتوشّح (نوعا ما) بوشاح المدينة، وأيقن بأن وشاحها يتغشى الرؤية والرؤى لينقص ويخصم الكثير من القدرات، لذلك بقيت عُرى المحبة والحنين يشدانني دوما إلي قريتي البركل، فأتوقف حاسر الرأس مشنف الآذان عند كل كلمة أو سياق يرد في أغنية من اعنيات الطنبور يحكي عن حراك الحياة في القرى،
فما اجمل هذه الكلمات يا احباب:
طيبة القرية يا خلايا احسبا في النسيمة الجاية
في كلماتي في نغماتي في طنبوري في السلكاية
في سلك اترخي وشديتوا وفي عنوان جواب رديتوا
وفي محبوبي حين لا قيتوا من جيرانوا راجع بيتوا
طيبة القرية اهـ يا خلا وفي تربال طلع واندلا
وفي شتلا يادوب سلا
وفي حوضاً شرب واتبلا
طيبتا في حجي الحبوبة وفي طين البيوت مكتوبا
طيبتا في ضليل راكوبا
في ريحة التراب واللوبا
طيبتا من شتاها وصيفا في عز الخريف في الزيفة
طيبتا في الليالي الهادي وفي شوق القعود في الوادي
طيبتا في عيون اجدادي شيتا شفتو من ميلادي
طيبتا من نخيلا ونيلا من قيزان رمالا وليلا
طيبتا من ضهر قنديلا لمن ندور نمشيلا
يااااه
القرى يا احباب عوالم تحتشد بالمشاهد الحميمة وواحات مزدانة بالخضرة والماء والوجه الحسن، ودون ذلك الأصالة والكرم والمروءة والحنيّة،..
سنيها لم تكن شرايين الكهرباء العامة وأوردتها قد تمددت في جسد البركل الكبير، يومها يممت إلى (بلد بي تحت) صباحا بين يدي صحيَة جروف النيل مع الموجَهْ الصباحيَّه، وقفت أتلمس برودة مياه الساموري بأطراف اصابع قدمي، فبدت أمامي مواكب الأمواه تتدافع جذلى صوب الشمال، والأمواج ساعتئذ مواليد تلتقم خيوط الشمس ذؤابات تبرق باسمة فتضيف إلى جمال المشهد روعة وبهاء، وتلك سمكة تقفز عاليا تسبح الله وتشكر النعمة في حبور، وكأني بها تمتع عينيها بخضرة الشطين، واذا بنسمة طروب تتلصص باحثة عن اللّعوب من مائسات النخيل، تتسلل اليها لتنال منها شبالا من جريد، ومن فوق العراجين يأتيك شدو القماري والبلوم، ودونه احتشاد أسراب الزرازير والقانقرد الباحثة عن الكريق والمدين، تختار منها المبقعي وام راس، ثم تعرج إلى أشجار المانجو تبحث عن الهندية والكوشتنير وقلب التور، ومن البعيد يتعالى خوار بقرة حلوب ونهيق حمار، وعن اليمين صوت ينادي آ جنا هوووي، كدي شوف الجدول دا اتملا؟…
وتلك امرأة تستعجل ابنها ليأتيها فيحمل عنها قش البهايم على اتان له بيضاء، وفي ايقاع جميل تتتابع أصوات بوابير الموية
تك تك تك تك…..
دق دق دق دق
وعلى البعد نسوة وسط الجروف يقطفن ثمار البامية والباذنجان والطماطم
وبالجوار أصوات لأطفال يتضاحكون ويتقافذون في الجروف يحاكون جري الكلب في اللوبا كما قال حميد رحمه الله، فيملأني الأرتواء، واتستف حزنا لكون ذلك اليوم آخر يوم من أيام اجازتي السنوية،
تشفُّ روحي، ويتسع صدري ليسع الدنيا بأكملها وقد امتلأ بعبير كل هذه المشاهد والعوالم الساحرة، إنها عوالم طيبة القرية ياخلايا.
كتبتها في البركل قبل سنوات.
adilassoom@gmail.com
طيبة القرية ياخلاّيا عادل عسوم


