38.1 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

يا غالية.. حنين يكتبه الشعب بأنفاس الأمل قلم وطني بقلم: خالد المصطفى

إقرأ ايضا

. إلى أمي الغالية التي تركتنا وشوقها لا يزال ينبض في قلوبنا ربنا يرحمها ويغفر ليها، إلى أم التيمان التي تصنع من صبرها درعاً يحمي الأسرة الزوجة الغالية، إلى كل امرأة سودانية وقفت كشجرة اصلها ثابت وفرعها في حنين وشوق في وسط العاصفة… هذه الكلمات ليست مجرد حروف، بل هي دموع تبحث عن حضن، وذكريات تبحث عن مستقبل.

في البداية، وقبل أن تكون الأغنية لحناً، كانت همسة من همسات القلب السوداني الذي يرفض الانكسار. في زمن صار فيه كان الم الابتعاد عن مسقط الراس يفرض الشوق الحنين وحينها تبقى اللغة السائدة، تنادي من فارق نقول له ياغالي او “يا غالية” لتذكرنا بأن للقلب لغة أخرى، لغة تعلو فوق صوت الحرب. لقد تحولت الأغنية من كلمات بسيطة إلى ظاهرة وجدانية، من لحن عادي إلى صلاة يومية، من غناء فردي إلى ترنيمة جماعية.

كلمات الأغنية الطيب عبد الله.. حين تتحول الحروف إلى دموع
ونترنم بها ونقول لها “يا غالية يا نبع الحنان”.. ليست مجرد كلمات تقال، بل هي استعارة عن كل أم ضحت من أجل أبنائها، كل زوجة تحملت الغياب، كل ابنة كبرت قبل أوانها. “يا درة يا ست الحسان” أصبحت تحية لكل امرأة سودانية حولت معاناتها إلى مصدر للقوة، وآلامها إلى ينبوع للحنان.

” كيف حال الغالي او الغالية”.. سؤال الذي في محتوى الاغنية. هو بسيط ولكن يحمل في طياته كل أسئلة الحرب المعلقة. تسأله الأم وهي تنتظر عودة أبنائها، تهمس به الزوجة وهي تتلقى رسالة من زوجها البعيد، تردده البنت وهي تتذكر أبيها الغائب. إنه سؤال عن الحياة في زمن الموت، عن الأمل في زمن اليأس.

“أنا حُبّي ليك فاق الظنون”..
ليست مجرد عبارة عابرة، بل معنى يفيض بما تعجز عنه الكلمات.
هو ذاك الشعور الذي يتجاوز حدود التوقع، ويكسر مقاييس الفقد والتحمّل، ويجعل القلب يقف أمام الحياة بثبات لا يشبه إلا من أحب بصدق.
هو حب يشبه صبر الأمهات على فراق الأبناء، لكنه أعمق…
ويشبه انتظار الزوجات لعودة الغائبين، لكنه أوسع…
ويشبه صمود المواطن الذي فقد أهله وبيته وماله، لكنه أقوى…
لأن ما فاق الظنون ليس مجرد إحساس؛
بل شهادة على أن صلة الدم لا تنطفئ، وأن العاطفة حين تكون صادقة تصبح أصلب من الحديد،
وأن القلب قادر على حمل ما لا تحمله الجبال،
وقادر على أن يُحب رغم الجراح… وأن يبقى.

في الخيام المنتشرة في معسكرات النزوح، في البيوت المهجورة، في المستشفيات المكتظة، تسمع صدى هذه الأغنية في كل مكان. لقد أصبحت لغة مشتركة بين كل السودانيين، جسراً يعبرون من خلاله عن واقعهم المر إلى ذاكرة جميلة يؤمنون أنها ستعود.

النساء تحديداً وجدن في الأغنية صوتاً يعبر عن مشاعرهن المكبوتة. لقد حوّلنها إلى رسائل مشفرة يرسلنها إلى أحبائهن، إلى شهادات حب يكتبنها للحياة، إلى صرخات احتجاج على القسوة التي يعشنها. كل دمع يسقط مع كلمات الأغنية هو شهادة على إنسانية ترفض الموت.

في عمق الظلام، يخلق تسائل “ياغالي وغالية” مساحة من النور. إنها تثبت أن الجمال يمكن أن ينبت من رحم المعاناة، وأن الأمل يمكن أن يولد من حظيرة اليأس. الأغنية لا تنكر الألم، لكنها تقدمه بشكل جديد، تجعله محتملاً، بل جميلاً في بعض الأحيان.

الأغنية أصبحت آلية دفاع نفسية جماعية، وسيلة للمقاومة الوجدانية، سلاحاً ناعماً في مواجهة قسوة الحرب. إنها تذكرنا أننا، رغم كل شيء، بشر قادرون على الحب والشوق والجمال. أنها تعيد تعريف المعاناة من عبء ثقيل إلى قوة دافعة، من ألم منهك إلى طاقة إبداعية.

في الختام الأغنية كوطن بديل يضعها الطيب عبد الله داخل وجداننا يخرجنا من واقع الحرب حين نسمعها يبكي القلب وتنزف الدمع ونتالم نتزكر مرارة الحرب في سرقة الأيام الجميلة واعز الناس ، تبقى “يا غالي ويا غالية” تذكيرناً بأن بعض الأشياء تظل عصية على السرقة في دواخلنا فتسبح بنا تزكرهم. الذاكرة تبقى، والحب يبقى، وشوقنا لهم يقتلنا وجدانيا ، رغم كل ذلك أصبحت الاغنية وطناً بديلاً نحمله في قلوبنا، نستظل بظله عندما تحرقنا شمس الغربة، ونستند إليه عندما توهننا المحن.

في النهاية، ” يا غالي و يا غالية” ليست مجرد أغنية، بل هي شهادة على أن الإنسان أقوى من الحرب، وأن الجمال أقوى من الدمار، وأن الحب أقوى من الموت. هي برهان على أن الروح الإنسانية، مثل النيل العظيم، ستستمر في الجريان رغم كل المحاولات لتحويل مجراها أو تجفيف منابعه.

ستظل “يا غالية” شاهداً على أن النساء السودانيات هن حارسات الذاكرة، حاملات الأمل، وبنايات المستقبل. وهن يستمعن إلى هذه الأغنية، يرددن مع الطيب عبد الله: “يا غالية يا نبع الحنان”… لأنهن يعرفن أن الحنان هو أقوى أنواع المقاومة، وأن الحب هو آخر معاقل الإنسان في زمن الحرب.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة