.
*كان رسول الله صل الله عليه و سلم يحب ان يسمع القرآن من غيره حتى انه طلب من ابي موسى الاشعري ان يرتله عليه بالنسبة لى فإن متابعة القرآن من القراء يمكنني من التفكر إذ تتميّز التلاوة القرآنية والأذان ببنية صوتية فريدة تُحدث أثرًا نفسيًا عميقًا، يختلف جوهريًا عن أثر الشعر أو الموسيقى اللغوية الموزونة، حتى لدى الأطفال الذين لا يفهمون العربية. ويعود ذلك إلى طبيعة الإيقاع الصوتي القرآني، وخصائصه العصبية، ونغمته الروحية التي تجعل استقباله يندرج ضمن ما يُعرف بـ“الأصوات المقدّسة” (Sacred Acoustics).*
*أولًا: الأثرالعصبي–الإدراكي*
*تحفّز التلاوة القرآنية مناطق في الدماغ مسؤولة عن التهدئة والانتباه الهادئ، بفضل انتظام النبرات وتدرّج الطبقات الصوتية والتجويد القائم على ضبط المخارج والتنفس. حتى دون فهم لغوي، يتعرف دماغ الطفل على التلاوة كبنية صوتية منظمة ذات معنى عاطفي، فتعمل كمثير سمعي مهدّئ يشبه لحن الأمومة الأول (نبض الأم وإيقاع تنفسها) حتى على الراشدين و يتعاظم هذا الاحساس عند المسنين*.
*ثانيًا: الأثر الوجداني–السلوكي*
*تشير الملاحظات السريرية والدراسات النفسية إلى أن الأطفال—بمن فيهم غير الناطقين بالعربية—يُبدون: انخفاضًا في الانزعاج والبكاء عند سماع التلاوة، و استقرارًا في إيقاع التنفس نتيجة تزامن النفس مع الرتم الصوتي الهادئ، و تحدث تحسنًا في النوم وتهدئة عامة في الجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الاسترخاء.*
*يحدث القران خشوعا و ارتفاعًا في الشعور اللاواعي بالأمان، نتيجة الارتباط الصوتي النمطي الذي يتكرر، هذه الاستجابات لا ترتبط بالفهم اللغوي بل بالانسجام الصوتي المنتظم الذي يعالجُه الدماغ كإشارة للطمأنينة.*
*ثالثًا: الأثر الروحي–المعنوي؛ تُنشّط موسيقى القرآن والأذان شبكات الإدراك المتعالي في الدماغ، وهي مناطق ترتبط بالخشوع والشعور بالعمق الوجودي. لهذا يظهر عند الأطفال—حتى الأجانب—هدوءٌ يشبه السكينة أو “حضورًا صامتًا” يدل على استجابة وجدانية روحية لا تحتاج إلى لغة.*
*مقارنة بالشعر الذي يحفّز المخيّلة والانفعال، ويعتمد على اللذة الجمالية، فالقرآن والأذان فيحفّزان الطمأنينة والسكون الداخلي عبر طبيعة المقام الصوتي والانتظام الإيقاعي الروحي، مما يجعل أثرهما أعمق من المستوى اللغوي وأكثر قربًا من الفطرة الصوتية للإنسان*.
*خلاصة: يُحدث القرآن والأذان أثرًا نفسيًا مركّبًا يجمع بين: تهدئة عصبية وأمان وجداني وانتباه هادئ بالاضافة استجابة روحية لا واعية، وهو أثر لا يبلغه الشعر مهما بلغت موسيقاه جمالًا، لأنه قائم على بنية مقدّسة في الوعي الإنساني تتجاوز حدود اللغة والثقافة.*
*تحدث الرغبة في البكاء عند سماع القرآن نتيجة تفاعل نفسي–عصبي–روحي عميق يتجاوز حدود الفهم اللغوي. فالتلاوة بصوتها الخاشع المنتظم تُنشِّط في الدماغ مراكز التهدئة، مما يخفّض التوتر الكامن ويفتح الباب أمام تفريغ انفعالي طبيعي يُعبَّر عنه بالبكاء. وفي الوقت نفسه تحرّك نبرة القرآن ذاكرة الإنسان الوجدانية، فتستدعي مشاعر الأمان الأولى وذكريات الطفولة والبيت والصلاة، فينشأ ما يُسمّى بالرنين العاطفي الذي يوقظ مشاعر دفينة لم تجد تعبيرها من قبل. ويضاف إلى ذلك البعد الروحي؛ إذ يشعر السامع بالقرب والسكينة والمهابة في لحظة واحدة، وكأن الخطاب موجَّه إلى أعماقه مباشرة، فيتحول البكاء إلى تطهّر داخلي صادق. ولهذا يصبح أثر القرآن فريدًا؛ فهو يبكي الإنسان لا لأنه حزين، بل لأنه يلامس حقيقته الباطنة ويعيده إلى صفاء إنساني وروحي عميق*.
أ.د عبدالرحمن أحمد عثمان


