29.9 C
Khartoum
الخميس, مارس 5, 2026

تحول توصيف حرب السودان من صراع بين جنرالين الى ادانة قوات الدعم السريع المتمردة والمدعومة خارجياً بقلم/ د. رجاء عبدالله حمد الزبير

إقرأ ايضا

لم تكن أحداث دارفور ولا سيما ما جرى في مدينة الفاشر مجرد تطور ميداني عابر في سياق النزاع الدائر في السودان بل شكلت لحظة مفصلية أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الازمات الإنسانية دموية في تاريخ الاقليم ،فقد تحولت الفاشر التي ظلت لفترة ملاذاً لمئات الآلاف من المدنيين والنازحيين ،إلى مسرح لإنتهاكات جسيمة اتسمت بطابع واسع النطاق ومنهجي،شملت القتل الجماعي والحصار واستهداف الأحياء السكنية،والمرافق الطبية والإنسانية،في مشاهد أعادت إلى الأذهان مآسي دارفور الاولى وأثارت قلقاً دولياً متزايداً إزاء مصير المدنيين وحمايتهم وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني.

وقد كشفت هذه المأساة الإنسانية عن قصور بالغ في التوصيف السائد للنزاع
في السودان والذي طالما قُدم على أنه حرب أهلية أو صراع داخلي بين قيادتين عسكريتين متنافستين على السلطة،فمثل هذا التوصيف لا يعكس الواقع
القانوني للصراع ولا يستوعب طبيعة الإنتهاكات المرتكبة ،ولا يفسر نمط العنف المنظم الذي استهدف المدنيين والبنية التحتية الحيوية في دارفور
وغيرها من المناطق بل إن الاستمرار في توصيف النزاع باعتباره “حرباً بين جنرالين” من شأنه طمس الفوارق الجوهرية بين الدولة وكيانات
مسلحة تمردت على النظام الدستوري القائم.

أن قوات الدعم السريع كانت جزءاً من المنظومة العسكرية والأمنية الرسمية للدولة السودانية ،قبل أن تنشق وتتمرد على السلطة الشرعية وقد تجسد هذا التمرد في أعمال عدائية واسعة النطاق لم تقتصر على مواجهة القوات النظامية وإنما امتدت وفق تقارير دولية متعددة إلى استهداف المدنيين على نحو مباشر وارتكاب عمليات قتل جماعي وأعمال عنف جنسي وتدمير متعمد للأعيان المدنية في أنماط من السلوك لا يمكن تبريرها تحت أي زريعة عسكرية مشروعة وتكتسب أحداث الفاشر أهمية خاصة لأنها كشفت بوضوح متزايد،على أن هذه الإنتهاكات لم تكن أفعالاً فردية أو تجاوزات معزولة بل جاءت ضمن نمط متكرر ومنهجي ،الأمر الذي يؤكد إرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لتوافر عناصر الهجوم الواسع النطاق أو المنهجي الموجه ضد السكان المدنيين وقد عزز هذا الاستنتاج ما ورد في تقارير أممية وبحثية مستقلة من بينها تقارير إستندت إلى تحليل صور الأقمار الصناعية أشارت إلى عمليات قتل ودفن جماعي ومحاولات لإخفاء الأدلة في مدينة الفاشر.

هذا التحول في طبيعة العنف انعكس بشكل مباشر على مواقف عدد من البرلمانات الدولية التي انتقلت من خطاب الحياد والقلق الإنساني إلى لغة
أقرب إلى الإدانة السياسية ذات الأساس القانوني ففي جلسة عاجلة لمجلس العموم البريطاني عُقدت في الخامس من نوفمبر 2025م أدان المجلس العنف
المروع الذي تعرض له المدنيون في الفاشر ،وأشار إلى تقارير تفيد بمقتل مئات المدنيين ووقوع جرائم قتل جماعي وأعمال عنف جنسي خلال هجوم قوات الدعم السريع على المدينة ،كما أُثير في سياق هذه المناقشات. موضوع الدعم الخارجي الذي قدم لقوات الدعم السريع عبر دول إقليمية ،من بينها دولة
الإمارات وفق ما ورد في المداولات البرلمانية وتقارير دولية متداولة.

ولا يقتصر الأثر القانوني لهذه التطورات على توصيف أفعال قوات الدعم السريع فحسب بل يمتد إلى إعادة تقييم الإطار القانوني للنزاع برمته فمن
منظور القانون الدولي لا يجوز توصيف ما يجري في السودان على أنه حرب أهلية بين جنرالين متكافئين لان هذا الوصف يتجاهل حقيقة أن الدولة السودانية تواجه تمرداً مسلحاً نفذته قوى كانت جزءاً من أجهزتها الرسمية ثم انقلبت عليها ،وبناءً على ذلك فإن النزاع يندرج ضمن فئة النزاعات
المسلحة المدولة دون أن ينتقص ذلك من حق الدولة الأصيل في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها والحفاظ على نظامها الدستوري.

ويستند هذا الحق إلى قواعد راسخة في القانون الدولي الإنساني،ولا سيما أحكام
البروتوكول الإضافي الثاني الملحق بإتفاقيات جنيف ،الذي ينظم حماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية دون أن يحرم الدولة من ممارسة سلطتها في مواجهة
التمرد المسلح داخل إقليمها كما يجد هذا الحق سنده في ميثاق الأمم المتحدة الذي يكفل للدول حق صون استقلالها السياسي وسلامة أراضيها ،مع الالتزام في
جميع الاحوال باحترام قواعد حماية المدنيين وعدم أستهدافهم

إن ما جرى في دارفور ،وخاصة في الفاشر لم يسهم فقط في تعرية الطبيعة الحقيقية
للصراع بل أسهم أيضاً في تفكيك السردية التي حاولت مساواة الدولة بقوة متمردة
مدعومة خارجياً ،فالتراكم المتزايد للأدلة والمواقف البرلمانية ،والتقارير الأممية تشير إلى تحول ملموس في النظرة الدولية من توصيف النزاع كحرب أهلية معقدة ،إلى
إدانة صريحة لقوات الدعم السريع المتمردة ،وفتح نقاش قانوني جاد حول مسؤولية الجهات التي قدمت لها الدعم وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إدامة الإنتهاكات الجسيمة.

وبذلك لم تعد الفاشر مجرد رمز لمأساة إنسانية جديدة في السودان بل أصبحت شاهداً قانونياً على مرحلة جديدة في التعاطي الدولي مع النزاع مرحلة قد تمهد للانتقال من الادانة اللفظية إلى تفعيل آليات المساءلة وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب وحماية المدنيين بوصفها جوهر القانون الدولي الإنساني وميزانه الحقيقي.

15/يناير/2026.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة