29.3 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

رمضان على أعتاب التعافي: الاقتصاد السوداني بين آثار الحرب ومسؤولية التكافل المجتمعي كتبت : محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

توشك أيام شهر رمضان المبارك أن تحلّ و السودان يمر بمرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، لحظة تتقاطع فيها آمال التعافي مع ثقل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب وتداعياتها . يأتي هذا الشهر الفضيل ضيفًا كريمًا، بينما لا تزال ملامح الواقع مثقلة بأسئلة المعيشة والاستقرار، في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين، وألقت بظلالها على تفاصيل يومهم ومعاشهم.

لقد أفرزت المرحلة الراهنة واقعًا اقتصاديًا بالغ التعقيد، تمثّل في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية، واضطراب سلاسل الإمداد للسلع الأساسية، في ظل تراجع الانتاج المحلي من السلع لتضرر قطاع الصناعة بالعاصمة وعدد من الولايات، ما أدى إلى زيادة الأعباء على الأسر، خاصة الفئات الأكثر هشاشة. كثير من العائلات عادت إلى منازلها بعد فترات نزوح قاسية، لتجد البيوت قائمة، لكن مقومات العيش الكريم فيها منقوصة، فيما لا تزال أسر أخرى خارج البلاد، تتابع المشهد، تحمل الوطن في الوجدان وتعلّق عودتها على تحسّن الأوضاع واستكمال متطلبات الحياة الآمنة.

ومع اقتراب شهر رمضان، تتعاظم تطلعات المواطنين إلى استقرار الخدمات الأساسية، باعتبارها مدخلًا لا غنى عنه لتخفيف أعباء المعيشة. فتوفر مياه الشرب دون عناء، واستقرار إمدادات التيار الكهربائي، يمثلان ركيزتين أساسيتين لتعزيز الإحساس بالطمأنينة، خاصة في شهر تتضاعف فيه احتياجات الأسر، وترتبط فيه راحة الصائم بحد أدنى من الاستقرار الخدمي.

ورغم صعوبة المشهد العام، بدأت بعض المدن السودانية تسترد عافيتها تدريجيًا، مستندة إلى تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية، وعودة جزئية للخدمات، واستئناف محدود للنشاط الاقتصادي والإنتاجي. وقد أسهم ذلك في إعادة قدر من الحركة إلى الأسواق، وبث إشارات أمل حذرة في نفوس المواطنين. غير أن هذا التعافي لا يزال هشًا، ويحتاج إلى دعم مؤسسي متواصل، وتخطيط اقتصادي رشيد، وتنسيق فعّال بين الجهات ذات الصلة، حتى لا يتعثر المسار قبل أن يبلغ غايته.

وتُعد القطاعات الإنتاجية من أكثر المجالات تأثرًا بالحرب، وفي مقدمتها صناعة السكر، التي تمثل أحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني. فقد تعرضت مشروعات السكر لأضرار مباشرة في البنية التحتية، وتوقف الإنتاج كليًا أو جزئيًا في عدد من المصانع، إلى جانب صعوبات الترحيل، ونقص المدخلات، وتراجع الكفاءة التشغيلية. وأسهم ذلك في انخفاض المعروض وارتفاع الأسعار، ما زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين، لا سيما وأن السكر سلعة أساسية ترتبط بالاستهلاك اليومي، وتتضاعف أهميتها خلال شهر رمضان.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية استنهاض الدور المجتمعي المنظم، من خلال تفعيل دور النقابات المهنية، والمنظمات الطوعية، والروابط المجتمعية، ولجان الأحياء، لتكون سندًا حقيقيًا للمجتمع في هذه المرحلة الدقيقة. فهذه الكيانات، بما تمتلكه من قربٍ من القواعد الاجتماعية وخبرةٍ ميدانية، قادرة على الإسهام في تنظيم المبادرات التكافلية، وتنسيق الجهود الإنسانية، وتوجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، بما يعزز من تماسك النسيج الاجتماعي ويخفف من حدة الضغوط المعيشية.

إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة، تُعلي من شأن إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية، ودعم الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، إلى جانب ترسيخ قيم التكافل والمسؤولية المشتركة. كما تتطلب دعوة صادقة للميسورين إلى تفقد الجيران وذوي القربى مبكرًا، والمبادرة بالعون قبل تفاقم الحاجة، بما يجسد المعاني السامية التي يحملها شهر رمضان.

ويبقى الأمل معقودًا على أن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية، وأن تمضي البلاد بثبات نحو التعافي الشامل، ليشعر المواطن بثمار السلام في معاشه وخدماته وحياته اليومية، وأن يعمّ السلام ربوع الوطن، سلامٌ ينعكس أمنًا واستقرارًا وتنمية، ويفتح أمام السودان صفحة جديدة أكثر طمأنينة وعدلًا.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة