لا يمكن اختزال شرحبيل أحمد في مجرد مطرب اعتلى المسارح، أو ملحن صاغ الألحان؛ فنحن أمام “ظاهرة كونية” سودانية الهوى، عالمية الأفق. هو ذاك المبدع الذي استطاع بعبقرية نادرة أن يجمع بين صرامة الخطوط في الفن التشكيلي، وسحر الأنغام في موسيقى الجاز، ليخلق لنفسه وطناً إبداعياً خاصاً، سكن فيه السودانيون جيلاً بعد جيل.
عندما اقتحم شرحبيل الساحة الفنية في خمسينيات القرن الماضي، لم يذهب ليعيد إنتاج السائد، بل حمل معه “جيتاره الكهربائي” وآلات النفخ النحاسية ليحدث زلزالاً موسيقياً في بنية الأغنية السودانية.
لقد نجح “ملك الجاز” في ترويض السلم الخماسي السوداني، وصهره في قوالب الحداثة العالمية، دون أن يفقد اللحن هويته أو نكهة “الطين والنيل”. أغنيات مثل “الليل الهادئ” و*”يا حلوة العينين”* لم تكن مجرد طرب، بل كانت صك براءة لاختراع نمط موسيقي سوداني متفرد، جعل القارة السمراء ترقص على إيقاعاته، وفتح أبواب المسارح الدولية أمام الإبداع السوداني.
بعيداً عن الأضواء والمسارح، كان لشرحبيل وجه آخر لا يقل إشراقاً؛ وجه الفنان التشكيلي الذي تخرج من كلية الفنون الجميلة ليضع بصمته في “مجلة الصبيان”. من منا لم يتربَّ على مغامرات “عمك تنقو”؟
تلك الشخصية الكاريكاتورية لم تكن مجرد رسوم هزلية، بل كانت “مرآة اجتماعية” ذكية، صاغها شرحبيل بريشته لتعالج قضايا المجتمع بروح ساخرة وقريبة من قلب الإنسان البسيط. هنا تتجلى عبقرية شرحبيل؛ فهو لم يعزل فنه في أبراج عاجية، بل جعله وسيلة للتربية، والتعليم، وصناعة الذاكرة البصرية للأطفال، تماماً كما صنع ذاكرتهم السمعية.
يأتي الإعلان عن حفل تكريم شرحبيل أحمد بمسرح الجلاء بالقاهرة في الرابع والعشرين من يناير، برعاية شركة “سوداني”، ليضع النقاط على الحروف في مسيرة هذا الرمز. إن احتضان القاهرة لهذا التكريم ليس مجرد فعالية بروتوكولية، بل هو اعتراف بقيمة شرحبيل كجسر ثقافي متين يربط بين ضفتي النيل.
إننا لا نكرم شخصاً، بل نكرم المؤسس الذي أرسى قواعد المدرسة الجازية في السودان، والمناضل الثقافي الذي خاض معارك قانونية وفنية لإثبات ملكية ألحانه وحماية الهوية السودانية من الضياع، والملهم الأسري الذي قدم للعالم “فرقة الفاميلي باند” مع رفيقة دربه الرائدة زكية أبو القاسم، ليؤكد أن الفن هو أسمى لغات التواصل العائلي.
شرحبيل أحمد هو “التاريخ الذي يمشي على قدمين”، وهو الفنان الذي لم يشيخ فنه يوماً لأن صدقه كان المحرك الأساسي لإبداعه. تكريمه اليوم هو رسالة لكل المبدعين بأن الأصالة والتجديد هما وجهان لعملة واحدة تسمى “الخلود”.
سلامٌ على شرحبيل وهو يضبط أوتار جيتاره، وسلامٌ عليه وهو يخط بريشته ملامح سوداننا الجميل، سيبقى “ملكاً” متوجاً في قلوبنا قبل المسارح.
شيء للوطن / م.صلاح غريبة : شرحبيل أحمد: أسطورة “الخماسي” الذي لوّن الوجدان بالريشة والوتر


