29.3 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

الذاكرة الحية لمسيرة الدفاع المدني: شهادتي على التحديات والإنجازات عبر عقدين قلم وطني بقلم: المقدم شرطة/ خالد عبد الله محمد المصطفى

إقرأ ايضا

في بداية عام ٢٠٠٥، خطوت أولى خطواتي في رحلة الالتزام والمسؤولية، متدرباً في أعمال الدفاع المدني. قضيت فترة التدريب بتفانٍ، ليكافأني القدر بعد أسابيع قليلة بالتعاقد مع الدفاع المدني والداخلية لأعمل مهندساً بيئياً في المكتب الهندسي. كانت مهمتي واضحة وجليلة: التفتيش ورصد المخاطر التي تهدد الأرواح والممتلكات. عملت بكل جهدي، وزاددت بخبرتي العملية والعلمية في أعمال الدفاع المدني تحت قيادة عدد من المدراء الأفاضل الذين قادوا المسيرة بحكمة، أولهم السيد الفريق شرطة/ الهادي، وهو كان له دور كبير في البناء القائم للدفاع المدني بهذا الحداثة وايضا السيد الفريق اللواء شرطة/ حقوقي عوض وداعه، السيد اللواء شرطة مهندس/ حمدن الله و السيد الفريق شرطة/ هاشم حسين عبد المجيد والسيد اللواء شرطة/ ابوبكر الصديق والسيد اللواء شرطة/ احمد عمر سعيد. في ذلك الوقت، كنت أعمل في قسم الوقاية والسلامة بالمكتب الهندسي، حيث أتيحت لي فرصة ثمينة: المشاركة مساعدت اللجنة في صياغة قانون الدفاع المدني لعام 2005. كانت الفترة تاريخية بقيادة اللواء شرطة/ الشيخ محمد أحمد جبريل، حيث تم تشكيل لجنة متخصصة لسن هذا القانون، والذي تم إجازته في عام 2006 عبر المجلس الوطني الانتقالي. لم يتوقف العطاء عند هذا الحد، بل تلته لائحة الوقاية والسلامة وملاحقها التي أُجيزت عام 2007، وهي عبارة عن 27 ملحقاً شاملاً. كان قائد هذه المرحلة بجدارة السيد الفريق شرطة حقوقي/ هاشم حسين عبد المجيد، مدير إدارة الوقاية والسلامة آنذاك برتبة عميد. توصل الى اعتماد هذا العمل الجبار على أفضل المعايير العالمية، مستفيدين من الكود الأمريكي والسعودي والأردني والبريطاني، لصياغة لائحة الوقاية والسلامة وملاحقها، وكذلك القانون نفسه. عملت اللجان بكد وإخلاص، واخرجت هذه التشريعات الرصينة التي شكلت حجر الأساس لنجاح أعمال الدفاع المدني، ودرعاً واقياً للوطن.

وبعد هذا الإنجازات التشريعية التي انجزت كان دور الوقاية والسلامة في التطبيق الميداني عبر المكتب الهندسي بالدفاع المدني بولاية الخرطوم وقطاعات الوقاية والسلامة. وبعد ذلك واصلت مهمتي في التفتيش والتقييم الفني الدقيق للمنشآت. خلال هذه الفترة، تعاقب على قيادة الدفاع المدني ولاية الخرطوم قادة متميزون عاصرتهم ترك كل منهم بصمته: بدأً باللواء عبد الله عمر الذي كان له دور محوري في تطوير المؤسسة وتحفيز أفرادها، خاصة فرق الإطفاء والإنقاذ، مروراً باللواء شرطة / بشير ضوء البيت، واللواء شرطة الشيخ محمد أحمد جبريل، جاءات مسيرة قيادة نالت الثقة فتولى ادارة قوات الدفاع المدني ولاية الخرطوم وايضا تولى رئاسة قوات الدفاع المدني وهي قيادة السيد الفريق شرطة حقوقي/ د. عثمان عطا كان في ذلك الوقت لواء ثم خلفه مديرا لقوات الدفاع المدني ولاية الخرطوم السيد اللواء شرطة/ حقوقي يوسف الإمام القانوني المتميز في اعمال الدفاع المدني ووهو مديرا ادارة قوات الدفاع المدني ولاية الخرطوم وفي هذا الإطار، كانت لي مساهماتي العملية التي استمرت لسنوات، بذلت فيها كل الجهد لتقديم أعمال ملموسة تخدم الوطن.

لقد كانت ثمرة هذا الجهد الطويل سلسلة من الأدلة والاستراتيجيات الفنية المتخصصة. ألفت خلال مسيرتي كتباً ضاعت في فترة الحرب، تناولت وسائل الإنقاذ البري والنهري والبحري، وكذلك التعامل مع المواد الخطرة. لكن ظروفاً قاسية حرمت الأمة من هذا الجهد، حيث سُرق حاسوبي المحمول من مكتبي وكان يحوي تلك الكنوز المعرفية. ومع ذلك، أستعرض هنا بعض إسهاماتي التي رأت النور. يأتي في مقدمتها “دليل الإنقاذ والإخلاء في أعمال الدفاع المدني”، وهو دليل علمي وعملي رائد، جاء ترجمه اعمال توجت بكتابة دليل خدمة إنقاذ . لقد أدركت أن إنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض أو داخل المباني يحتاج لمهارات فنية متخصصة، لا يمكن أن تكون مهمة ثانوية لرجال الإطفاء الأبطال الذين يركزون على إخماد النيران. لذلك، كتبت ” دليل خدمة الإنقاذ” ليكون الدليل حتى يجعل المنقذ دقيق اعماله ويكون خارطة طريق لكل منقذ، وايضا يساعد القارئ في عملية الإخلاء والإسعافات الأولية.

ولمواكبة الطفرة التنموية، وضعت “استراتيجية دائرة الوقاية والسلامة لولايات السودان – النموذج الأول ولاية الخرطوم”. فولاية الخرطوم، بوصفها العاصمة وقلب النشاط الاقتصادي، شهدت نهضة عمرانية وصناعية غير مسبوقة، وجذبت استثمارات عالمية، مما أدخل التكنولوجيا الحديثة والمواد الخطرة والبتروكيميائية على الصناعات. مما استدعى وضع خطة وقاية وسلامة للعام 2015، تتماشى مع القوانين وتواجه المخاطر المتعددة. إن مهمة الوقاية والسلامة مهمة سامية، فهي حجر الزاوية في تأمين الاقتصاد والمنشآت، وتقليل الخسائر، وتمكين المجتمع من النمو. وفي عصر التطور التكنولوجي السريع في العمل الشرطي عالمياً وإقليمياً، تزداد التحديات والمسؤولية الملقاة على عاتق فرع الوقاية والسلامة ليراجع خططه ويواجه المخاطر، حفاظاً على الثقة الدولية والإقليمية التي حظي بها جهازنا.

ولضمان الجودة والفاعلية في التجهيزات، وضعت “دليل مواصفات وأنواع سيارات الإطفاء المستخدمة في أعمال الدفاع المدني”. هذا الدليل الشامل وضع المعايير الدقيقة لشراء وتجهيز الأسطول، بدءاً من أنواع السيارات وأجزائها، وصولاً إلى المواصفات الفنية المطلوبة التي تم تضمينها في مناقصة عام 2008. يتناول الدليل مميزات وخصائص كل نوع، ومستويات الحماية، وحتى تصنيف المطارات حسب معايير الهيئة الدولية للطيران المدني. ومن بين تلك الأنواع: سيارات السلالم بارتفاعات مختلفة (30، 32، 52، 56 متراً)، وسيارة السنوركل (28 متراً)، وسيارات الإسعاف والإخلاء، وسيارات دعم أجهزة التنفس والغوص، وسيارات الإنارة والإسناد الفني، بالإضافة إلى صهاريج الإطفاء وسيارات مكافحة الحرائق الصناعية من مصنعين عالميين مثل روزنباور وبيرس.

ولتكون لبلادنا مرجعيتها الخاصة، ساهمت في وضع “الكود السوداني للوقاية من الحريق وحماية الأرواح والممتلكات”. هذا الكود الوطني، المكون من 56 ملحقاً، يستند إلى قانون الدفاع المدني 2005 ولائحة الوقاية والسلامة 2007، ويوائم بين الأكواد العربية (كالكود السعودي) والعالمية (مثل NFPA و BS). جاء إعداده تنفيذاً لقرار قيادي في أكتوبر 2014، بهدف حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم عبر اشتراطات وقائية وإشرافية دقيقة. إن تطبيقه سيكون ترجمة عملية للتعاون الوطني، وسيساهم في حماية الثروات القومية وتقليل الخسائر المالية الناجمة عن الطوارئ.

ولتمكين الرجل الميداني، أعددت “دليل ضابط السلامة في المنشآت”. هذا الدليل العملي يغطي جميع مراحل إدارة السلامة: من أسباب الحرائق وطرق منعها، إلى الإجراءات أثناء الحادث وبعده. وهو يسلط الضوء على الجانب الاقتصادي الحيوي للسلامة، ويؤكد أن استمرارية الإنتاج وحماية العاملين في ظل الطوارئ تتطلب توفير معدات الوقاية من أجهزة الإطفاء ووسائل الإنذار والملابس الواقية التي توفر درجة العزل للعاملين بمواقع الإنتاج. إن الدفاع المدني في المنشآت الصناعية تعتبر ذات معان متعددة الأغراض. وهي تعني التدخل والسيطرة وقيادة الجهود والإخلاء والإنقاذ التي تساعد في إعادة النشاط وتوفير اشتراطات السلامة بدرجة كافية، وتعد مواجهة كافة التهديدات في الصراعات والأعمال العدوانية لخلق بيئة عمل آمنة وإعادة الحياة الطبيعية على أرض الوطن وعدم توقف الإنتاج. مما يجعلنا نوصي بأن يكون هذا الدليل برفقة كل شخص ليساعد في الحد من المخاطر في المنشآت.

لكي لا تكون الاستجابة عشوائية، وضعت “دليل خطة الإخلاء في المنشآت”. يحدد هذا الدليل المسؤوليات بوضوح، بدءاً من مسئول المنشأة ولجنة السلامة، مروراً بإدارات الأمن والسلامة، وصولاً إلى الدفاع المدني والأجهزة الصحية. تهدف خطة الإخلاء، كجزء من خطة الطوارئ، إلى تقليل الخسائر في أقصر وقت عبر ترتيبات مسبقة. وهي توجب على كل منشأة إعداد خطة شاملة لمواجهة الكوارث والحالات الطارئة التي قد تتعرض لها المنشأة، تتضمن كيفية إخلاء تلك المباني من شاغليها في الحالات الطارئة واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتأمين سلامتهم وكفالة الطمأنينة والاستقرار والأمن لهم. حيث تستهدف خطة مواجهة الأزمات والحالات الطارئة بالمنشآت ما يلي: إخلاء المباني والطوابق من شاغليها فور سماع جرس إنذار الحريق وذلك بتوجههم إلى نقاط التجمع المحددة سلفاً. تشكيل وتدريب فريق الإخلاء للحالات الطارئة بالمنشأة وتحديد الواجبات والمهام المنوطة بكل منها لتكون بمثابة إطار عام لتنفيذ خطط الإخلاء ومكافحة الحرائق وعمليات الإنقاذ ودليلاً مرشداً في سبيل حماية العنصر البشري بالتنسيق والتعاون مع إدارة الدفاع المدني والحريق ووزارة الصحة. السيطرة على الخطر ومنع انتشار الحرائق والعمل على تقليل الخسائر الناجمة عنها بالقدر الكافي من خلال استخدام الوسائل الفعالة لمكافحة الحرائق.

كما قمت بعمل دراسة بحث الماجستير في إدارة كوارث السيول والفيضان باستخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، منطقة الدراسة أم ضوبان هذه الدراسة الميدانية التي قمت بها تناولت مخاطر الفيضانات، حيث يرتبط الفيض بفيضان النيل الذي يتسبب في أضرار الممتلكات، وتدمير واسع للزراعة والبيئة. منذ وقت مبكر حدثت أضرار عديدة في ولاية الخرطوم (خلال الأعوام 1988، 1998، 2001 و 2007) نتجت من الفيضانات المفاجئة المستمرة. المناطق الأكثر عرضة للخطر تقتصر على النيل الأبيض والنيل الأزرق، والنيل الرئيسي والأودية، والمناطق المعرضة للفيضان. هدف الدراسة هو حلول عملية لإدارة مخاطر الفيضانات وزيادة الوعي بين الناس وتقليل خطر الفيضانات المفاجئة، ومعالجة تصريف المياه السطحية. في هذه الدراسة استخدمت تقنية الاستشعار عن بعد مع الطرق التقليدية، والمسح الميداني. تم استخدام الخرائط الطبوغرافية والبيانات المساعدة لتقييم والتحكم في مخاطر الفيضانات المفاجئة في منطقة الدراسة. اكتشفت الدراسة أن الضعف في مستويات تصريف مياه الأمطار كان مع زيادة التوسع في الإنشاءات السكنية على طول المنطقة المعرضة للفيضانات والفيضانات المفاجئة كل عام. معظم الجسور الواقعة على الطريق الأسفلتي، التي بُنيت لتصريف مياه الأمطار، وجدت مغلقة. كان الاستشعار عن بعد أداة فعالة لتقييم خطر الفيضانات المفاجئة على منطقة الدراسة. توصلت الدراسة إلى أن معظم الجسور كانت مغلقة في بداية خريف 2007 مما أوضح لنا أن تفاقم مشكلة الجسور هو عدم تناسبها مع التصريف وكذلك الخطر يكمن في أن معظم القرى شُيدت على طول خط تقسيم المياه وجريان الأودية. المخاطر المذكورة أعلاه تسببت في أضرار الممتلكات والأرواح بجانب كارثة الفيضانات المفاجئة في منطقة الدراسة. أنظمة المعلومات الجغرافية (GIS) وتقنية الاستشعار عن بعد (RST) هما أهم أدوات المراقبة الفعالة التي يمكننا من خلالها تحليل وتقييم مخاطر الفيضانات المفاجئة ووضع الحلول المناسبة ومراعاة التخطيط السليم، واستخدام الأراضي وتقييد البناء على طول الأودية أو المجاري. التنمية المستمرة تأخذ في الاعتبار عدم إغلاق القنوات خاصة حول مناطق المشاريع الزراعية التي يمكن أن تدفن من قبل المزارعين أو مياه الأمطار في المنطقة، وتجاهل العوامل المذكورة في هذه الحالة، لا توجد خطط للمعالجة الهندسية لمعالجة الوضع الحالي قد يكرر هذا سيناريو فيضانات 2007 في موقع الدراسة.

في الختام، تمثل هذه المسيرة، من أول يوم تدريب في 2005 إلى المشاركة في وضع التشريعات والأدلة التخصصية، رحلة عطاء متواصلة في خدمة أمن وسلامة السودان وأهله. عملت بكل إخلاص تحت قيادات كريمة، وكنت واحداً من فريق كرس نفسه لبناء نظام وطني متكامل للوقاية. رغم الخسارة الأليمة لجزء من هذا الإرث التوثيقي بسبب السرقة، إلا أن الأسس الراسخة التي تم بناؤها في القوانين واللوائح والأدلة تبقى شاهداً حياً على أن الإرادة الصادقة والعمل العلمي المنظم هما أقوى درع ضد المخاطر، وأسمى استثمار في مستقبل أمة تبحث عن الأمان والاستقرار في رحاب وطنها.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة