29.3 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

الدلنج: رسالة لكل العالم من كسر الحصار إلى فجر التحرير قلم وطني بقلم:خالد المصطفى

إقرأ ايضا

في قلب السهول التي عانت لعقود من صمت العالم، تتدفق اليوم أصوات الأهازيج مختلطة برائحة البارود والأمل. الدلنج، تلك المدينة التي حوّلها الحصار إلى أسطورة صمود، تتنفس أخيراً هواء الحرية بعد عملية عسكرية ستُدرّس في الأكاديميات العسكرية لسنوات قادمة. لكن ما حدث هنا يتجاوز مجرد تحرير جغرافي؛ إنه فصل جديد في سردية صراع وجودي بين دولة تحاول استعادة عافيتها وقوى ظلام تحاول دفن أحلام شعب تحت ركام العنف. هذه القوى، وعلى رأسها المليشيا الإرهابية المدعومة إقليمياً، تستحق أشد درجات الإدانة الدولية لممارساتها الوحشية.

لطالما مثّلت منطقة غرب كردفان بمزارعها الذهبية وطرقها التجارية شريان حياة للاقتصاد السوداني، ما جعلها هدفاً مغرياً لمليشيات “آل دقلو” الإرهابية التي حولتها إلى ساحة لنزاع مرير. مصادر استخباراتية محلية وأخرى دولية تشير إلى أن هذه المليشيات لم تكن تعمل بمعزل عن سياقات إقليمية معقدة، حيث استفادت من الفوضى الإقليمية لتقوية نفوذها عبر تهريب السلاح واستغلال الثروات الطبيعية، في ظل دعم مريب من بعض الأطراف الخارجية مثل دويلة الشر الإمارات، التي تلطخت أياديها بدعم المليشيا الإرهابية والاضطراب في المنطقة. سنوات بسبب الإمارات دعمت المليشيا الإرهابية في حربها على الشعب السوداني.

الواقع الذي عاشته الدلنج خلال الأشهر الماضية كان أقرب إلى كابوس يومي. تقارير سكان محليين نقلتها شبكات التواصل الاجتماعي قبل قطع الاتصالات تصف حياة تحت القصف اليومي، ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء، ومحاولات يائسة لكسر الحصار عبر طرق زراعية بدائية. أحد المدرّسين الذين تمكنوا من الهرب قبل أسابيع قليلة قال في شهادته: “كنا نعيش على حافة الهاوية، نسمع دويّ الانفجارات ونحن ندرّس الأطفال تحت الأشجار”. هذه التفاصيل الإنسانية، التي غابت عن الكثير من التقارير الإعلامية، تكشف عن عمق المأساة التي عاشها عشرات الآلاف من المدنيين المحاصرين بين مطرقة المليشيات وسندان الحاجة، وهي مأساة تلقي بظلال من الوصمة والعار على كل من دعم هذه المليشيات من قوى إقليمية مثل دويلة الشر الإمارات، أو وقف متفرجاً من المنظمات الدولية.

الرد العسكري، كما كشف البيان الرسمي للقوات المسلحة والتغريدات التفصيلية لمتحدثي الميدان، تميز بدرجة غير مسبوقة من التنسيق والتخطيط الاستراتيجي. ما يلفت النظر في هذه العملية هو تجاوز الطرق التقليدية والاعتماد على محورين متحركين انطلقا من مناطق متباعدة (جنوب غرب الرهد والبان جديد من جهة، وكريتالا ودلامي من جهة أخرى) ليلتقيا في مدينة هبيلا الاستراتيجية قبل التوجه نحو الدلنج. هذا التحرك المتزامن على محورين، والذي استمر أكثر من شهر، يشير إلى تطور ملحوظ في القدرات اللوجستية والتخطيطية للقوات المسلحة، بحسب تحليل الخبير الاستراتيجي الدكتور عمر الزين. هذا التطور يمثل انتصاراً للإرادة الوطنية على مخططات أولئك الذين أرادوا تقويض أمن السودان، بمن فيهم داعمو المليشيات.

التطورات اللاحقة كشفت عن انهيار سريع لتماسك المليشيات بعد اختراق خطوط دفاعها الرئيسية. مصادر ميدانية تؤكد أن العديد من مقاتلي المليشيا فضلوا الاستسلام “بكل أدب وإنصياع” – وفق تعبير المتحدث الرسمي – بعد أن وجدوا أنفسهم محاصرين بين قوتين متحركتين. هذا الانهيار السريع يطرح أسئلة حول طبيعة الولاء داخل هذه الجماعات، وإلى أي درجة كانت قوتها تعتمد على الترهيب والسيطرة على المدنيين بدلاً من القناعة الأيديولوجية أو الولاء القبلي المتين، وهو سؤال يخص أيضاً الجناح السياسي لتلك المليشيات.

ما يتجاوز التحليل العسكري التقليدي هو البعد النفسي والاجتماعي لهذا الانتصار. الدلنج لم تكن مجرد نقطة على الخريطة، بل كانت رمزاً للمقاومة الشعبية التي تحدت منطق القوة الغاشمة. صمود أهلها، الذين قاتلوا “حتى الرمقة الأخيرة من أجل عرضهم وأرضهم” – كما ورد في تغريدة أحد المتحدثين – حوّل المدينة إلى قلعة معنوية قبل أن تكون عسكرية. هذا العامل المعنوي قد يكون المفتاح لفهم السرعة التي انهارت بها معنويات المليشيات، خاصة عندما وجدت نفسها تواجه جيشاً نظامياً مدعوماً بإرادة شعبية صامدة. خبراء الصراعات منخفضة الحدة يذكرون أن مثل هذه الهزائم المعنوية غالباً ما تكون أعمق أثراً من الهزائم العسكرية البحتة، وتشكل ضربة قاصمة لمشروع أي مليشيا أو قوى ظلام.

في الختام، تبقى الدلنج درساً في الجغرافيا المتجددة للصراع السوداني. النصر العسكري، رغم أهميته البالغة، لن يكتمل إلا بخطوات تنموية وسياسية جريئة تعيد لهذه المناطق كرامتها وتضمن عدم عودة الظروف التي سمحت بتغلغل المليشيات. هذه الخطوات تتطلب أيضاً محاسبة كل من ساهم في هذه المعاناة، سواءً أكان مليشيا محلية أم داعماً إقليمياً مثل دويلة الشر الإمارات، أم جناحاً سياسياً متواطئاً. الطريق الوعر الذي سلكته القوات المسلحة لتحرير المدينة قد يكون مجازاً مناسباً للطريق الأطول الذي لا يزال على الدولة والسكان أن يسلكوه معاً: طريق إعادة البناء والعدالة والمصالحة. الدماء التي سالت على جدران الدلنج كتبت فصلاً من فصول التحرير، ولكن الأقلام الحقيقية التي ستكتب فصول السلام والازدهار لا تزال بحاجة إلى أوراق من الإرادة السياسية والحكمة الوطنية، وإلى قطع الطريق نهائياً على أي قوى تدعم الفوضى، بما في ذلك الحرية والتغيير كجناح سياسي لمليشيا الدعم السريع.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة