29.3 C
Khartoum
الإثنين, مارس 16, 2026

مبادرة الاستعادة وتعافي النظم البيئية بولاية الخرطوم: معالجة الآثار البيئية للحرب أولوية حكومية قلم وطني بقلم: المقدم شرطة/ خالد عبد الله محمد المصطفى

إقرأ ايضا

ما ألهم كتابة هذا المقال هو انطلاق “المبادرة البيئية في ولاية الخرطوم” لورشة عمل بعنوان “استعادة وتعافي النظم البيئية”. هذا الجهد العملي لا يمثل مجرد حدث، بل هو نموذج حي للتحول من مرارة الحديث عن الدمار إلى حلاوة العمل الملموس من أجل التعافي. فوسط المشهد المعقد الذي رسمته الحرب في الولاية، تبرز مثل هذه المبادرات المجتمعية كفصول مشرقة في قصة المدينة. في الساحات المحترقة والمتنزهات المهجورة وشواطئ النيل المثقلة بالمخلفات، تولد اليوم إرادة صلبة لتحويل سردية الألم إلى فحص واعٍ للجروح وبناء لغة جديدة للإصلاح. هذه الحركة الناشئة، التي يقودها أبناء وبنات الأحياء بأنفسهم، ترفع شعاراً واضحاً: المشاركة الفعلية في استعادة اخضرار المدينة ونبض حياتها.

لقد أحدثت الأعمال التخريبية الممنهجة التي استهدفت البنية التحتية والمساحات الخضراء شرخاً عميقاً في النظم البيئية الحضرية في الخرطوم. تحولت العديد من الحدائق العامة، التي كانت يوماً رئات تتنفس منها المدينة، إلى أماكن مهجورة تكسوها النفايات وفتات المعارك. أدى تدمير محطات معالجة المياه والصرف الصحي إلى تلويث خطير للتربة والمصادر المائية، بينما أدى القطع الجائر للأشجار للحصول على الوقود أثناء الحصار إلى تجريد مناطق واسعة من غطائها النباتي الحيوي. هذه الأضلاع المكسورة في جسد المدينة لا تهدد المشهد الجمالي فحسب، بل تهدد صحة السكان وتزيد من حدة تأثيرات موجات الحر وتلوث الهواء، مما يخلق أزمة بيئية مركبة تضاف إلى الأزمات الإنسانية والسياسية.

للوقوف على هذه الجهود، يمكن النظر إلى إحدى هذه المبادرات المجتمعية الناشئة، وهي “مبادرة الخرطوم البيئية”، والتي تقدم نفسها كمنصة تجمع متطوعين وناشطين. تركز المبادرة، وفقاً لأهدافها المعلنة، على تحويل الوعي إلى فعل عملي من خلال مستويين متوازيين: حملات توعية بسيطة اللغة تشرح الصلة بين البيئة والصحة، وتنظيم ورش عمل تطبيقية تجمع بين المعرفة والعمل الجماعي.

وتعتبر ورشة عمل “استعادة وتعافي النظم البيئية”، التي تنظمها المبادرة، نموذجاً عملياً لهذا النهج. تحت شعار “من أجل بيئة مستدامة ومجتمعات مرنة”، لا تهدف هذه الورشة إلى تقديم محاضرات نظرية فحسب، بل إلى رسم خرائط للضرر وإطلاق مشاريع تجريبية مصغرة. كيف يمكن تنظيف بئر ملوث في حي سكني باستخدام مواد متوفرة؟ ما هي أنواع الأشجار المحلية السريعة النمو والمقاومة للجفاف التي يمكن زراعتها في الساحات الفارغة؟ كيف يمكن تصميم نظام بسيط لفرز النفايات من المنزل لتحويل جزء منها إلى سماد؟ هذه الأسئلة العملية هي ما تشغل بال المشاركين، والهدف هو خروج كل متطوع بحقيبة أدوات معرفية ومهارية قابلة للتطبيق فور عودته إلى حيه.

لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه المبادرات يتجاوز النوايا الحسنة، وهو تحدي الاستدامة والموارد. هنا تبرز ضرورة بناء شراكات ذكية تعبر الحدود التقليدية. فالشراكة المحلية الذكية تعني تعاون المبادرة مع الأطباء في التوعية بالمخاطر الصحية، ومع المهندسين في تقديم حلول تقنية بسيطة، ومع أصحاب المحلات في توفير مساحات للتجميع أو الدعم العيني. أما الشراكة الخارجية الذكية، فلا تعني انتظار المنح الدولية الكبيرة فحسب، بل قد تعني التواصل مع منصات التمويل الجماعي لعرض مشروع مجتمعي واضح، أو التعاون مع الجامعات الدولية لإجراء مسح علمي لحالة التربة أو المياه في منطقة معينة، أو الاستفادة من منصات التدريب الافتراضي لبناء قدرات الشباب المتطوعين.

في هذا السياق الشكر والامتنان الى رعاة هذه المبادرة والذي تم افتتاح مبادرة الاستعادة وتعافي النظم البيئية بولاية الخرطوم السيد عضو مجلس السيادة الدكتورة نوارة ابو محمد والسيد والي ولاية الخرطوم احمد عثمان حمزة والسيد الامين العام للمجلس الاعلى للبيئة استاذة / غادة حسين العوض وتجدر الإشارة إلى الدعم المهم الذي يمكن أن توفره المؤسسات الرسمية والمنظمات الدولية. إن التنسيق مع جهات مثل المجلس الأعلى للبيئة بولاية الخرطوم وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، تحت قيادة السيد الأمين العام للمجلس الاستاذة غادة حسين العوض، يمكن أن يوفر الإطار المؤسسي والمعرفي اللازم لتعظيم أثر هذه المبادرات المجتمعية. مثل هذه الشراكات الرسمية تدعم تحويل الأعمال التطوعية الفردية إلى برامج مستدامة تساهم في تحقيق أهداف التعافي البيئي الأوسع.

وفي إطار الجهود المؤسسية لإزالة الآثار المباشرة للحرب، قامت قوات الدفاع المدني بولاية الخرطوم بدور محوري فور عمليات التحرير. حيث باشرت حملة مكثفة للتعقيم والتطهير استهدفت الوزارات والمؤسسات الحيوية، مثل وزارة الداخلية ورئاسة الشرطة، لتمكينها من استئناف عملها بأسرع وقت. وقد امتدت جهودها لتنظيف المدينة من مخلفات الحرب، في إطار خطة شاملة لاستعادة النظافة والصحة العامة. وقد تولى قيادة وتنسيق هذه الجهود الميدانية المباشرة الفريق شرطة (حقوقي) د. عثمان عطا مصطفى، مدير عام قوات الدفاع المدني، والذي قدّم الدعم والإسناد والمتابعة المستمرة لفرق العمل لضمان إنجاز المهام. ولم تقتصر العمليات على التنظيف، بل شملت حملات استباقية لمكافحة نواقل الأمراض، كالحملة التي نُفذت في الساحة الخضراء وأخرى في الخرطوم (2)، والتي تضمنت إزالة الحشائش وعمليات الرش والتعقيم لمنع انتشار الأوبئة.

كما تحول تركيز الدفاع المدني إلى تعزيز القدرات الدائمة وإرساء أسس مجتمع مرن. فأطلقت قوات الدفاع المدني بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر السوداني دورات متقدمة للإسعافات الأولية بهدف تأهيل الكوادر البشرية وتحويلهم إلى مدربين داخل مجتمعاتهم المحلية. كما أولت القيادة اهتمامًا خاصًا باستباق الأخطار الموسمية، حيث أكدت جاهزية فرقها التامة للتعامل مع بلاغات موسم الخريف والفيضانات، ضمن خطة استباقية لدرء آثاره وحماية المواطنين.

في الختام، إن عملية التعافي البيئي في الخرطوم ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد حل الأزمة السياسية، بل هي جزء لا يتجزأ من عملية الصمود وإعادة البناء الاجتماعي. كل شتلة تُزرع في شارع مهدم، وكل كيس نفايات يُجمع من شاطئ النيل، وكل بئر تُنقّى في حي سكني، هي أكثر من مجرد فعل بيئي؛ هي إعادة تأكيد على الحياة وإعلان رفض للدمار. نجاح هذه المساعي المركبة، التي تجمع بين الحماس المجتمعي والعمل العلمي المدروس والشراكات المبتكرة، لن يُقاس فقط باخضرار المساحات، بل باخضرار الأمل وبناء مجتمعات قادرة على الصمود في وجه الصدمات، مجتمعات تدرك أن حماية بيئتها المحلية هي الخطوة الأولى والأساسية في طريق استعادة كرامتها ومستقبلها.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة