نعم ۔۔ على صفحته في الفيس بوك ۔۔ اعادنا الكاتب محمد بيلو ، القادم بقوة الى دنيا الإبداع ، أعادنا الى ايام الصبا ، وملهاة عربات الصفيح والسلوك والمجوغلة من الخشب والسلك والصفيح ۔۔ وأزيز الأفواه الغضة وهي تخرج أصوات السيارات بقوة ، ومنا من يجر فارهته الصغيرة وآخر يقودها ب ( دريكسون من السلك التخين ) ويافع يدفعها بيديه ، وكل اطفال الحي يدندنون مع مركباتهم في المنعطفات ( تيت تيت ) ولكن ماذا كتب المبدع محمد بيلو ؟ فالنقرأ معا :
” أسطورة (اللوري) وعُلَب المعونة الأمريكية :
” دعوني أحدثكم عن أمر قد يبدو لكم من ضروب الخيال، أو ربما هو محض هذيان شيخوخة مبكر.. يعرفه القليل من الذين مروا بهذا المنشور.
في ثمانينيات القرن المنصرم، حيث لم تكن التكنولوجيا قد أحكمت قبضتها الباردة على أرواحنا بعد، كنا نحن معشر الأطفال في قريتنا نعيش طفولة “عصامية” بامتياز.
لم نكن نملك رفاهية شراء الألعاب؛ كان عليك أن تصنع سعادتك بيدك، حرفياً لا مجازاً.
في تلك الحقبة، كان (اللوري) تلك الشاحنة البدفورد السفنجة الضخمة هو معبودنا الوثني الصغير. كنا نرى سائقه كائناً أسطورياً يفوق في مكانته رواد الفضاء، وصوت محركه كان سيمفونية تشجي آذاننا أكثر من أي موسيقى كلاسيكية.
ولأننا كنا نعاني من (هوس الميكانيكا) المبكر، قررنا أن نتحول إلى مهندسين في شركة (بدفورد) للسيارات، ولكن بفرعها في بيردستون، او ما تسمى محليا بـ (حجر الطير).
كانت مدخلات الإنتاج في مصانعنا السرية التي هي في الواقع ظل شجرة جافة يزاولنا ظلها تارة ويجفو تارة اخرى تتكون من مواد لو رآها طفل اليوم لأصيب بصدمة:
الهيكل: علب زيت (المعونة الأمريكية) الفارغة، أو علب حليب (نيدو). تلك العلب الصفيح التي كانت تمثل العمود الفقري للمركبة والـ(شاسيه)، والتي طالما جرحنا أصابعنا بحوافها الحادة ونحن نحاول تطويعها وطيها.
الإطارات: “السفنجة” (نعم، الشبشب المطاطي القديم). لم نكن نترك (فردة) شبشب وحيدة إلا وصادرناها باسم الثورة الصناعية لقرية بيردستون.
نظام التعليق: أعواد “التبس” (القش الجاف المستخدم في بناء الأسوار، تلك العشبة التي لها استخدامات كثيرة وتنمو في الأماكن الصحراوية)، أو ربما سلك نحاسي إن حالفنا الحظ وكنا من الأثرياء في ذلك اليوم.
نظام السحب: خيط متين من “الدلاقين”.
اما طقوس التصنيع الجراحي فإنها
تبدأ بما يشبه طقوس الشعوذة أو الجراحة الميدانية. نجلب العلبة الصفيح، وبواسطة سكين كليلة وحجر صوان، نبدأ في (دق) وتقطيع الهيكل بضربات مدروسة، كأننا ننحت تمثالاً لإغريق قديم. ثم نستخدم مسماراً لثقب أماكن الخياطة، ونستعمل ما يُعرف بـ (خيط ود الحرام) وهو خيط قوي يُستخرج من إطارات السيارات التالفة لربط الأوصال ببعضها.. عملية معقدة تجعل جراحات القلب المفتوح تبدو هزلا.
أما صناعة العجلات، فهي قصة أخرى.. كنا نسخن (علبة صلصة) فارغة صغيرة على النار حتى تحمر، ثم ندمغ بها (السفنجة) المطاطية لقص دائرة مثالية.. رائحة المطاط المحترق كانت تملأ الأجواء، لكننا كنا نستنشقها كأنها عطر باريسي مميز. ثم بالموس (التوباس) الحادة، ننحت تفاصيل الإطار (الشرشر) بتركيز يحسدنا عليه صانعو الساعات السويسريون.
واللمسات النهائية والطلاء تأتي بعد أن يكتمل الهيكل، يبدأ التزيين. من أين نأتي بالألوان؟ الطبيعة ومخلفات المطبخ في خدمتنا:
اللون الأسود: من “سكن الصاج” من التكل.
اللون الأزرق: من “زهرة الغسيل” بعد تركيزها واضافة بعض الودك لتماسك المزيج.
نقف أمام تحفتنا الفنية ونحن نشعر بزهو لا يشعر به مهندسو وكالة ناسا عند إطلاق مكوك فضائي.
ثم تبدأ الملحمة أو ( رحلة الوهم الجميل ) .. بإلانطلاق في الوديان وكثبان الرمال قرب المنزل. في تلك اللحظة، يختلط الواقع بالخيال؛ نحن لم نعد أطفالاً نجر علب صفيح بخيط، بل نحن سائقو شاحنات أشداء نشق الصحراء.
شفاهنا تتورم وهي تصدر هدير المحرك و ونقلد حنين (الكوز) ونغوص في الرمال متظاهرين بأن الشاحنة (وحلت)، فنحفر ونناور لإخراجها ونحن في قمة الجدية.
وعندما تغيب الشمس، وتعلن الدواجن انسحابها، نركن شاحناتنا بفخر عند باب الغرفة أو في ركن قصي بـ (التكل) ، ونأوي إلى فرشاتنا، نحلم بقطع غيار جديدة، وبطرق وعرة لم نطأها بعد.
يا سادة، من عاش تلك الأيام، ومن قاد تلك (الدابة) الصفيحية، فليظهر نفسه.. فنحن جيل، رغم بساطة أدواته، كان يملك خيالاً بحجم المجرة اطفال هذا الجيل اضاعوه خلف الـ (روبلوكس)…
ضع تم ان كنت شاهدا على هذا العصر، وشارك ذكرياتك مع هذا الفن ” ۔
خروج أول
بحسب مراتع الصبا تكون سيارة الصبي ، ففي كردفان ودارفور يستعصى الصفيع فتكون العربة من اعواد الذرة والزان والبوص ، وكذلك في ارياف ولايات القضارف وسنار والنيل الأزرق ، وتصبح من علب الصفيح في الخرطوم ونهر النيل والبحر الاحمر والنيل الابيض اما في الشمالية فتكون مجوغلة من ( كلو ) ، كانت هذه العربة المنتجه محليا حلم جميع الاطفال والصبيان ، ومضت السنوت وتدخلت الصين و( دول الإستكبار ) وانتجت سيارات الاطفال في المصانع العملاقة فأوقفت مخيلة صغارنا الإبداعية وتركت لنا الموبايل الذي شغف قلوبهم وسلبهم الإبداع ، حتى الكتابة بالقلم لايقدورن عليها الآن ۔
خروج أخير
كل كاتب سوداني يدغدع دواخلنا بمعطيات الزمن الجميل نجعل له غرفة خاصة في قلوبنا والتحية لك ايها الكاتب ( المختفي ) محمد بيلو ” ابوكنان ۔۔ زول ساي ” .


