لن أنس ماحييت هذر جدي محمد الحسن حاجنور معي وابن خالتي وكنا أطفالا في بدايات المرحلة الابتدائية، فكان يحفزنا على صيام رمضان ويقول:
الشيطان ربنا بكتفو في رمضان، فكاووهو وغيظوهو.
فرسخ في ذهني صورة من هو أقوى مني ولا اقدر عليه، عندما يمسك به من هو أكبر فإذا بي أستقوي عليه وأضربه وانتصر عليه.
فاستصحبت ذلك واصبحت أجد في (مكاواة) الشيطان مشاعر رضا ولذة انتصار، والنفس إن درجت على ذلك تستسهله جدا، وفي الحسبان قول الله تعالى:
{…فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} 76 النساء
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:
(إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص).
فإن كان الأذان (يجهجه) الشيطان كل هذه الجهجهة فكيف يكون حاله مع الصائم الذاكر الحريص على التحصين والمعتاد على تلاوة القرآن؟!
رمضان يا أحباب فرصة ذهبية للانتصار على الشيطان، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين).
فإن كانت مسلسلة ومصفدة طوال هذا الشهر؛ فإن أيما جهد لترويض النفس على الطاعات وتعليمها (ثقافة) الانتصار على الشيطان والنفس الأمارة بالسوء تكون ثمرة ذلك الاعتياد وجعله جبلة وطبع للمرء منا.
وعلى المكاواة فإن المكاواة والمكاونة في لهجة الحجاز تعني المدافعة والمشاجرة والمغايظة..
فلان يكاوي فلانا ويكاونه؛ أي: يدافعه ويعانده ويغايظه ويتحدّاه.
لكنها الآن نادرة الاستخدم في كل لهجات العرب؛ عدا اللهجة السودانية.
الذي دفعني إلى هذه الخاطرة تذكري لهذر جدي ودحاجنور رحمه الله معنا، ثم حديث نبوي شريف في فضل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ). رواه البخاري ومسلم.
عمر رضي الله عنه كان يخاف أن يفتنه الشيطان ويوسوس إليه، لكنه لم يكن يهابه ولايفزع منه، لقد كان رضي الله عنه يناصبه ويستعد له فيُنصر عليه، لذلك كان الشيطان يخافه ل(استعداده له ومناصبته إياه)، فيترك فجه وسبيله حذرا منه.
ويقال بأن الضواري في الغابة تستطيع أن تميز وتتعرف على الإنسان الجبان الفزع من الشجاع، وذلك بسبب رائحة تنبعث من جسد الضحية!، وكذلك من لغة الجسد والحراك، شاهدت ذلك واستمعت له في احدى الفضائيات واظنها National geographic.
والأمر ليس أمر مقايسة بقدر ماهو تقريب للمشهد.
ونشأت محبا لشخصية الفاروق رضي الله عنه، وكم هي عندي أثيرة، إذ فيها تتجلى صلابة المسلم وصدق الاخبات لله والحرص على تمام الايمان، وقد ورد أنه كان من الحرص بمكان على اذلال الشيطان وتخييب ظنه في كل أمر يجد فيه مظنة تخذيل عن طاعة أو وسوسة من الشيطان، فيزيد من ركعات تهجده إن طاله فتور او نعاس، ويخالف بفعله ماينتويه ان بدا له أن للشيطان فيه يد، ولعل ذلك ما أوصل الفاروق إلى المرتبة التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم في فضله، وبحمد الله أصبح ذلك لي نهجا اسأل الله أن يعينني عليه، اللهم بارك لنا في رمضان وأعنا على الصيام والقيام والطاعات، اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا.
وإلى اللقاء في مقال اليوم الثامن بحول الله.
adilassoom@gmail.com
رمضان والإستقواء على الشيطان. خواطر رمضانية (1447). 30/7 عادل عسوم


