25.3 C
Khartoum
الأربعاء, فبراير 25, 2026

حين يطلب المستقبل بادوات الماضي اسامة الفاتح العمري

إقرأ ايضا

FacebookWhatsAppTwitterانشر
في الازمات التي تطول لا تكون المشكلة دائما في غياب البدائل بقدر ما تكون في سلوك استقر حتى صار يملي حدود الاختيار ويعيد انتاج النتائج ذاتها مهما تغيرت الاسماء والمشاهد

في الازمات التي تطول لا تعود الاسئلة الكبرى معلقة بين الصواب والخطا بل بين ما اعتاد الفاعلون ممارسته حتى صار يبدو كأنه الخيار الوحيد وبين ما يستبعد لا لعيبه بل لغرابته عن السلوك السائد فحين يستقر سلوك بعينه زمنا كافيا يتوقف عن كونه ممارسة قابلة للنقاش ويتحول الى بنية خفية تضبط مجال الممكن وتعيد تعريف الواقعي وتقصي البدائل دون حاجة الى قرار معلن

في مثل هذه السياقات لا تدار السياسة فقط عبر الخطاب او البيانات بل عبر ما يكافا وما يبرر وما يترك بلا مساءلة فحين يقدم الحسم بوصفه فضيلة وتصور السيطرة باعتبارها شرط الاستقرار تتراجع السياسة بوصفها فن ادارة التعدد وتتحول الى تقنية لادارة الغلبة هنا لا يرفض البديل لانه غير عملي بل لانه لا ينسجم مع منطق تشكل عبر التكرار حتى بات مالوفا ومطمئنا مهما كانت نتائجه

كثيرا ما تعرض الخيارات في هذه اللحظات بوصفها مفترقات حاسمة غير ان التدقيق يكشف انها لا تتجاوز كونها تنويعات داخل الاطار نفسه تتغير الاسماء وتعاد صياغة الادوار لكن المنطق الحاكم يظل ثابتا ما يقدم على انه انتقال لا يكون في الغالب سوى اعادة ترتيب داخل المشهد ذاته حيث تستبدل الاسئلة المتعلقة ببناء الدولة باسئلة تتعلق بادارة التوازن ويؤجل النقاش حول القواعد لصالح نقاش حول المواقع

وما يلفت في المشهد الراهن ليس شح الامكانات ولا غياب الفاعلين بل تشابه طرائق التفكير تستدعى القوة بوصفها حلا جاهزا لا لانها الخيار الامثل بل لانها الاكثر انسجاما مع سلوك اعتاد اختصار المسارات غير ان التجارب المتراكمة تشير الى ان القوة حين تفصل عن افق سياسي جامع نادرا ما تنتج استقرارا قابلا للاستدامة وغالبا ما تراكم اسباب هشاشته المقبلة

ثمة ميل واضح للتعامل مع الاستقرار بوصفه نتيجة تقنية تنتجها السيطرة او تضمنها موازين القوة لا بوصفه عقدا سياسيا واجتماعيا يتطلب اعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع وبين الشرعية والفاعلية غير ان الاستقرار الذي لا يمر عبر هذه المراجعة يظل في افضل احواله حالة انتظار تؤجل فيها الاسئلة لا تحل وترحل فيها التناقضات الى لحظة لاحقة

المفارقة ان الخطاب العام يكثر من الحديث عن المستقبل فيما الادوات المستخدمة تنتمي الى ماض لم ينجح في انقاذ نفسه يطلب من النتائج ان تتغير دون ان يتغير السلوك الذي ظل ينتجها وينتظر من الخيارات ان تكون مختلفة فيما تصاغ داخل الخيال السياسي ذاته وبالمحددات نفسها وبالافتراضات التي ثبت عجزها مرارا

ليس العائق في جوهره غياب المبادرات او ندرة الوسطاء بل الاصرار على انتاج الحل من داخل المنطق الذي قاد الى الازمة فالتغيير الذي يقتصر على اعادة ترتيب القوة دون مساءلة القواعد التي تمنحها معناها غالبا ما يعيد انتاج الازمة في صيغة مؤجلة وكسر الحلقة لا يتحقق بتبديل اللاعبين بل بتغيير اللعبة نفسها او على الاقل قواعدها غير المكتوبة

التاريخ في هذا المعنى لا يعاند ولا يعاقب لكنه يعيد طرح السؤال ذاته بصيغ مختلفة الى ان تتم الاجابة عنه وما يبدو اليوم ازمة خيارات قد يكون في جوهره ازمة سلوك طال امده حتى بات يقدم بوصفه الممكن الوحيد اما الانتقال الى افق اخر فلا يبدأ من اعادة ترتيب المشهد بل من مساءلة المنطق الذي ظل يحكمه بلا مساءلة ومن الجرأة على اختبار خيارات لا تشبه العادة حتى لو بدت في بدايتها اقل طمانينة

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة