بيراع الشاعرة المدهشة ابتهال تريتر ، جاءت تلك الأمسية من أمسيات بيت الشعر الخرطوم المبهجة ، والتي طوتها الحرب الى المجهول ، كما طوت العديد من المنابر الثقافية في بلادنا بعد أن هدمت المباني والمعاني ، فأضطرت ربان البيت عالمنا الفذ الأديب الأريب الدكتور الصديق عمر الصديق لأن يغادر جزيرته المحبوبة ” توتي ” الى جزر أخرى خارج الوطن ، بحثا عن الأمان وصفاء النفس ، بعد أن أصبحت توتي مرتعا للجنحويد ردحا من الزمن .
ولأن المحتفى به في تلك الامسية قبل سنوات ثلاث ، كان شاعرا جهبوزا ، وشهادتي فيه مجروحة ، وبسببه تم توجيهي وانا رئيس قسم الثقافة والمنوعات والفنون بصحيفة الأنباء الحكومية في العام 2005 م ، بأن أقلل من نشر قصائده ، وسألني رئيسي بقوله ” أسمع إنت .. البلد دي فيها مليون شاعر ما لقيت غير ده ” .
وبحسب المبدعة إبتهال تريتر حاملة لواء أمير الشعراء بمشاركاتها المتعددة في هذا المحفل لسنوات ، كانت أمسية شاعرنا محمد عمر عبدالقادر ،
أمسية تجددت فيها بيعة الشعر لسماء القصيدة الجامعة، وهطلت ديمتها السكوب على الحاضرين جمالا وتألقا واختلافا في التجاريب، ومدت القصيدة أكفها لأجيال متعددة، وكل جيل يمثل شعرية خاصة
بصوفية مقروءة وواضحة، فإبتدر الشاعرمحمد عمر عبد القادر ابن كردفان ، وقرية الزريبة من دوحة الشيخ البرعي ، وهو صاحب سيرة مكتنزة ، أبرز ما فيها انه عضو المكتب التنفيذي للإتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين ، وصدرت له خمسة دواوين شعرية، وله إصدارتان تحت الطبع، شارك في العديد من المهرجانات الخارجية والداخلية، وأسس العديد من المنتديات الثقافية التي انتظمت العاصمة الخرطوم، نال لقب سلطان الكلمة في مهرجان الشعر العربي الذي استضافته جامعة الفيوم بجمهورية مصر العربية 2017م، كتب عنه الشاعر مصطفى سند في عموده مشيرا إلى ديوانه الأول (اللجين العسجدي ينتمي إلينا) وذلك في الملف الثقافي الأسبوعي بصحيفة الحياة السياسية، حاز المركز الأول في العديد من المسابقات داخل السودان..
في إحدى نصوصه يقول:
كَشَفْتُ غِطاءَ المَعانِي جَمَالاً ،
تَدَثَّرْتُ حُبّاً ، سَراني فأطْرَى ..
تَغَنَّيْتُ بَدْءا ، فأتْقَنْتُ رَقْصِي ،
بِبُعْدٍ عَمِيقٍ تَنَاثَرْتُ بَحْثاً ،
تَجَمَّعْتُ دُرَّا !!
عَجِيبٌ يراعِي ،
من الظَّنِّ ، والشَّكِّ ، لمّا
رآنِي رَقَصْتُ تَعَرَّى !!
فكانَ الغِناءُ يُهذِّبُ فيَّ التداعِي ،
ويبكِي يَراعِي !!
وكانتْ تراتِيِلُ حِسِّي ، تَمَاوَجُ
بَرْقاً ، فَرَعْداً ، فشِعْرَا ..
تَوَسَّلْتُ جِيئى ، تَسامَيْ ، تسامَيْ ،
فَلَفَّ الغَرامُ سحابَ هُيامِي !
تَمَعَّنْتُ وَجْهِي ، رأيْتُ مَقامِي !
خَطَرْتِ على رَعْشَةِ الفالِ عِطْرَا ..
تَعالَيْ ، فَيَنْمُو فِراقُ الذَرِيعةِ وَصْلاً ،
ويُورِقُ حَرْفُ المُحِبِّكِ سِحْرَا ..
لأِنِّي تَوَضَّأتُ للعِشْقِ سِرّاً ،
وصَلَّيْتُ في جامِعِ القَلبِ وِتْرَا ..
وَجَدْتُ دَمِي عَنْ يَسارِي يُصَلِّي !!
وَيَفْتَحُ بِاسمْكِ في النَبْض نهراِ
ثم يتنقل في قواميسه ودوواينه وينتقى منها ما أمتع الحاضرين، ومحمد عمر شاعر له خصوصية ووجود حي في المشهد الشعري السوداني شاعرا ومؤسسا لعدد من المنتديات بالبلاد، يقول في نص آخر..
يا شمسُ مَرْحَى بالسَنا
شِِعِّي بَياناً في دَياجيرِ المشاعرِ..
زغردي رقصَ السنابلِ ، باركيها،..
فَوِّحِي ريحانَ قلبي واتْحفيني سوسنا
فَتَوَهَّجَتْ قالتْ ليَ الشمسُ العظيمةُ..
وهيَ تُرْسِلُ دَفْئَها بينَ السنابِلِ..
وأنطواءُ الفقرِ جِسْرٌ بيننا..
كُنْ مِقْوَداً للذاتِ واْلتَمِسِ الرَّهافةَ مُوقِنا
إنْ لاحَ برقٌ للمحالِ فلا تَخَفْ..
سيجيءُ رعدُ المستحيلِ فلا تُبَالِي بالعَدَمْ..
وامْلأْ رِئاتِ العَزْمِ مُلْتَهِماً..
دُعاشَ الوَهْمِ لا تعبأْ بِعاصفةِ النَّدمْ..
أغلقْ مَفاتيحَ الضَّنَى
حتماً يُناغِمُكَ السُرورُ فقلْ لهُ
بالبابِ أنتَ إذا سُئلتَ..
ولا تَقلْ هذا أنا
فَلَرُبَّما تَفْني إذا لمْ تُدركِ التوحيدَ،..
فالمعنَى هُنا
وادْخُلْ دِيارَ السَعْدِ مُنْشَرِحاً..
يُنادِمْكَ ابْتِهاجُكَ حَيْثُ تَمْتَثِلُ المُنَى .
خروج أخير
الشاعر محمد عمر عبد القادر إستقر به المقام في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي منذ أن بدأت هذه الحرب ، وله في القاهرة صولات وجولات في منابرها الإبداعية المتعددة ، فله التحية والتجلة والعرفان .


