تمر الأمم بلحظات فاصلة تعيد فيها ترتيب أوراقها وتستشرف مستقبلها بعيون لا ترى الحاضر فقط بل تمتد إلى آفاق بعيدة، وهو ما يعكسه القرار الرصين الذي بادر به عضو مجلس السيادة مساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن ياسر العطا، حين خاطب ابناءه الابطال المرابطين في ثقور معلناً رؤية متكاملة لاستيعاب القوات المساندة في المؤسسات النظامية للدولة. هذا التوجيه الذي حمل مضامين وطنية عميقة، يتجاوز كونه ترتيباً إدارياً إلى كونه مشروعاً استراتيجياً يعيد تعريف العلاقة بين الدولة وهؤلاء الذين استجابوا للواجب في أحلك الظروف، ليؤسس لمرحلة جديدة تقوم بها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بدورها الطبيعي في حماية السيادة، مستوعبة كل الطاقات التي برهنت على كفاءتها وإخلاصها في ساحات الشرف والبطو
لكي ندرك دلالات هذه اللحظة التاريخية، علينا العودة بالذاكرة إلى تلك المحنة الكبرى التي اجتاحت البلاد عندما أعلنت مليشيا الدعم السريع الإرهانية تمردها على مؤسسات الدولة، فكان المشهد الوطني استثنائياً بكل المقاييس، حيث فتحت المعسكرات أبوابها لاستقبال آلاف المتطوعين الذين هبوا من كل الولايات، مشكلين نسيجاً وطنياً متنوعاً تحت مسميات كتائب البراء بن مالك والمقاومة الشعبية ودرع السودان. هؤلاء الأبطال سطروا بدمائهم الزكية أروع الملاحم في الدفاع عن الأرض والعرض، لكن استمرار وجودهم ككيانات مستقلة بعد انتهاء الحرب كان سيشكل تحدياً أمنياً واجتماعياً كبيراً، وهو ما تنبهت له القيادة مبكراً فجاءت رؤية الدمج كحل يحقق مصلحة الوطن ويحفظ لهؤلاء الرواد كرامتهم ويكرم تضحياتهم.
المؤشرات الميدانية اليوم تؤكد أن القوات المسلحة السودانية تخوض معركة ذات شقين، شق في الميدان لردع التمرد، وشق آخر في غرف القيادة للتخطيط لمرحلة البناء والتمكين. فالإعلان عن معايير دقيقة للانضمام إلى المؤسسات النظامية الثلاث يؤكد حرص القيادة على الحفاظ على المستوى الرفيع لهذه الأجهزة، حيث تستند عملية الفرز والتقييم إلى أسس موضوعية مستمدة من لوائح عريقة وتقاليد عسكرية راسخة، تضع الكفاءة والانضباط والولاء الوطني في سلم الأولويات. هذه المعايير تمثل ضمانة حقيقية لعدم المساس بجاهزية هذه المؤسسات، كما تعكس رغبة صادقة في استقطاب أفضل العناصر من القوات المساندة لتشكل نواة قوية لجيش المستقبل.
على الصعيد الداخلي، قوبل هذا القرار بارتياح شعبي واسع، حيث عبرت مختلف الأوساط عن تأييدها لخطوة تعزز هيبة الدولة وتنهي أي ازدواجية في العمل المسلح. في المقابل، كان لهذا الإعلان وقع الصاعقة على جهات إقليمية ظلت تراهن على إطالة أمد الصراع لخدمة أجندتها، وتأتي في مقدمتها العدو الإماراتي الذي لم يدخر جهداً في دعم التمرد وتوفير الغطاء له. هذا القرار وجه ضربة قاصمة لتلك الدويلة الشر التي راهنت على تقسيم السودان، حيث أدركت أن مشروعها قد انتهى إلى غير رجعة، وأن الدولة السودانية ماضية في تعزيز سيادتها عبر جيش نظامي موحد عصي على الاختراق. كما أن البند المتعلق بتأهيل الراغبين في العودة للحياة المدنية عبر برامج تدريب مهني متطورة، يعكس عمق الرؤية الإنسانية للقيادة التي لا تترك أبناءها فريسة للبطالة أو الاستقطاب.
التحركات التنفيذية المقبلة ستشهد إنشاء آليات متخصصة للإشراف على عملية الدمج، تضم خبرات من القوات المسلحة والشرطة والمخابرات العامة، وستبدأ فوراً في حصر الأفراد وتصنيفهم وفق مؤهلاتهم ورغباتهم. هذه اللجان ستواجه مهمة دقيقة تتطلب شفافية عالية وجهداً استثنائياً، حيث ستقوم بتوزيع الراغبين في الخدمة النظامية على القطاعات الثلاثة، وتحويل الآخرين إلى مسارات التدريب المهني التي تؤهلهم لسوق العمل. إنها عملية إعادة هيكلة كبرى لمكون بشري مهم، تحتاج إلى تخطيط محكم ورؤية بعيدة المدى، لضمان تحويل هذه الكوادر من عناصر قتالية إلى رافد أساسي للتنمية والأمن، دون أن تتحول إلى عبء على الدولة أو بيئة خصبة للإحباط.
التأمل العميق في أبعاد هذا القرار يقودنا إلى اكتشاف أنه يحمل فلسفة متكاملة لبناء الدولة الحديثة، حيث ينتقل بالعلاقة بين المواطن والدولة من مرحلة الارتباط الظرفي إلى مرحلة الانتماء المؤسسي الدائم. فدمج القوات المساندة يعني تحويل التضحيات الجسام التي قدمها هؤلاء إلى رصيد وطني دائم، كما يعني ترجمة الزخم الشعبي الذي اصطف خلف الجيش إلى طاقة إنتاجية مستدامة. برامج التدريب المهني المخصصة لمن لا يرغبون في الخدمة النظامية تمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل هؤلاء الشباب، وتحميهم من مخاطر البطالة والتهميش، وتقطع الطريق على أي محاولات لتجنيدهم في مشاريع تخريبية مستقبلية.
النظرة المستقبلية تبشر بميلاد جيل جديد من المؤسسات العسكرية والأمنية، أكثر احترافية وتماسكاً، بعد أن تستوعب الخبرات القتالية الثمينة التي اكتسبتها هذه القوات في أصعب الظروف. هذه الخبرات التي اكتسبت في ساحات الوغى ستشكل إضافة نوعية للأجهزة النظامية، وستسهم في رفع كفاءة الأداء وزيادة الجاهزية لمواجهة أي تحديات مقبلة. على المدى البعيد، سيساهم هذا النموذج في ترسيخ ثقافة جديدة تجعل من العمل العسكري احترافاً خالصاً، وتجعل من الانتماء للوطن عبر مؤسساته النظامية هو الإطار الوحيد لحمل السلاح، وهو ما سيشكل ضمانة حقيقية لعدم تكرار تجارب الماضي المؤلمة.
في الختام، يمثل قرار الفريق أول ركن ياسر العطا بدمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية تتويجاً لملحمة وطنية كبرى، وتحويلاً ذكياً لطاقات البطولة والفداء إلى ركائز دائمة في صرح الدولة السودانية. إنه رسالة واضحة للجميع بأن السودان يمضي بثبات نحو تعزيز سيادته وبناء مؤسساته وفق رؤية وطنية خالصة، لا تنتظر رضا أحد ولا تخشى غضب أحد. وبينما تستعد الآليات للانطلاق في عملها، تبقى الثقة كبيرة في وعي هذه الكوادر البطلة التي أثبتت في أصعب الظروف أن همها الأول هو الوطن، سواء ارتدت الزي العسكري النظامي أو انخرطت في مسارات العمل المدني، فتبقى دوماً درعاً للوطن وسيفاً له في كل الميادين، ليكتمل بذلك مشهد نسميه ( دمج الكرامة ) ليكون آخر لبنة في صرح الوطن القوي الموحد.


