في يوم المرأة العالمي، تتجه أنظار العالم إلى المرأة احتفاءً بدورها وعطائها، غير أن للمرأة السودانية في هذا اليوم قصةً مختلفة؛ قصةً كتبت فصولها بالدمع والصبر، وبالإرادة التي لا تنكسر مهما اشتدت العواصف.
فالمرأة السودانية لم تكن في هذه الحرب مجرد متفرجة على المأساة، بل كانت في قلبها، تواجه قسوتها بكل ما تملك من صبر وإيمان. حين ضاقت الأرض بالحرب، واتسعت دروب النزوح، كانت هي أول من حمل عبء الأسرة، وأول من وقف في وجه الانكسار، تحفظ ما تبقى من تماسك البيوت، وتصون خيط الأمل الرفيع في قلوب الأبناء.
لقد عرفت المرأة السودانية في هذه المحنة معنى الفقد، وتجرعت مرارة التشرد، وشهدت انهيار البيوت التي كانت عامرة بالطمأنينة. ومع ذلك لم تسقط راية الصبر من يدها، ولم تسمح لليأس أن يستوطن قلبها. بل نهضت من بين الركام، كأنها تقول للعالم إن الشعوب التي تلد مثل هذه النساء لا يمكن أن تُهزم.
في مخيمات النزوح، وفي القرى التي أنهكتها الحرب، وفي المدن التي أرهقها الخوف، كانت المرأة السودانية صورةً حيةً للثبات. أمٌّ تحمي أبناءها من قسوة الواقع، وزوجةٌ تشد أزر أسرتها، وابنةٌ تتحول إلى سندٍ لأهلها، ومربيةٌ تحفظ في النفوس بقايا الطمأنينة في زمن الاضطراب.
لقد أثبتت المرأة السودانية أن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من جيوشٍ أو ثروات، بل بما تختزنه قلوب نسائها من صبرٍ وإيمان. فحين تتكسر الأشياء من حولها، تبقى هي الجدار الأخير الذي يستند إليه المجتمع كي لا ينهار.
واليوم، بعد أن أنهكت الحرب الجغرافيا والإنسان، تقف المرأة السودانية أيضاً في طليعة طريق التعافي، تسهم في ترميم المجتمع، وتعيد نسج العلاقات التي مزقتها المحن، وتغرس في الجيل القادم بذور الأمل في وطنٍ يستحق الحياة.
إن المرأة السودانية ليست مجرد متأثرة بالحرب، بل هي حارسة الذاكرة الوطنية، وصانعة الاستمرار، وركن النهوض القادم. فهي التي تحوّل الألم إلى قوة، والجراح إلى عزيمة، والمحنة إلى بداية جديدة.
في يوم المرأة العالمي، لا يكفي أن نقول لها شكراً، بل ينبغي أن نقف إجلالاً لهذه المرأة التي أثبتت أن الصبر يمكن أن يكون قوة، وأن الإيمان بالوطن يمكن أن يهزم أقسى الظروف.
إلى المرأة السودانية:
أنتِ لستِ فقط عنوان التضحية…
بل الصفحة المضيئة في كتاب صمود هذا الوطن.
كل عام وأنتِ عزيمة السودان التي لا تنكسر،
وكل عام وأنتِ الفجر الذي يولد من قلب العتمة.
مسارات د. نجلاء المكابرابي …المرأة السودانية… سيرة الصمود في زمن النار وصانعة الفجر بعد الحرب


