يقال ان التاجر اذا اصابه (الفلس) , رجع يقلب في دفاتره القديمة عله يجد دينا منسيا له ، لدى احد الوجهاء فيطالبه به لتستمر معه مسيرة
حياته العملية ، وهذا حالنا في الغناء سادتي ، فقد ادركنا الافلاس الفني الكبير فدعونا نقلب في دفاتر الماضي القريب المبهجة ، علنا نروي
عطش انفسنا من رحيق الاغنيات الذهبية التي فقدت حاديها الذي رحل في صمت ومرت ذكراه العطرة كعبق نسائم الربيع في بلادنا هذه
الايام .
فالمطرب الراحل محمود عبد العزيز تربع على عرش الغناء لعقدين من الزمان، انتزع خلالها لقب (مطرب الجماهير) ، وادرك كل متوثب
للانقضاض عليه خلالها أن (الحوت) يظل كبيراً وتخافه حتى الديناصورات.
علماء الموسيقى في بلادنا قالوا إن هذا المدهش تمتع بمقومات صوتية فريدة لذلك استطاع أن (يمسّخ) أي أغنية ليست له قام بأدائها، فهو لا يُقلِّد ولكنه يُقلَّد على الدوام، فهناك عشرات النسخ المشوهة منه، لأن جموع الشباب تحب أن تسمعه، والجميلات يحببن صوته القوي، إذ ما
عادت نعومة الصوت تقنع سودانية أصيلة برجل يتغني.
لقد تملكتني الدهشة وأنا أحصي عدد الأغنيات التي قدمها محمود، الخاصة منها والحقيبة والإخوانيات، فوجدت من المعجبين من يترصد لكل سكناته وحركاته ويجود بها بلا ثمن على الشبكة العنكبوتية، ويا له من حب
(تقني) جارف. غير أولئك الذين يمارسون التصرفات المجنونة لإظهار إعجابهم بهذا (الحوت).
كانت في عينيه براءة الأطفال، وفي صوته عنفوان الرجولة، وفي غنائه يكمن التطريب ، ولا عجب.
محمود غنى الحقيبة وردد (يمة ازازا.. أخدت نظرة من قصاد الطاقة) .. فعشقها الجميع حتى أن مطربة إثيوبية تتغنى بها عبر قناة بلادها
الرسمية وتتفاعل معها ليس بطريقة الحقيبة ولكن (بالطريقة المحمودية) إن جازت العبارة .
وعندما نتحدث عن (إبن عبد العزيز) يجب أن نذكر الملحن الراحل القدير يوسف القديل، الذي قدم لهذا المطرب أكثر من ثلاثين أغنية في ثنائية
رفعت من رصيدهما معاً وجميع الملحنين الذين تغنى لهم محمود، فهو كالقطار لا يقف في محطة لحنية واحدة بل يجوب كل السودان
ليرضي جميع الأذواق.
ويبدو هذا جلياً في أغنياته، فقد أرضى جميع أهل السودان وكان أول مطرب حديث يتناول الأغنية الكردفانية التي ظلت لعقود قصرا علي مطربي كردفان من الجهابذة الراحلين ، الدكتور عبدالقادر سالم , عبدالرحمن عبدالله وابراهيم
موسى ابا وصديق عباس وام بلينا السنوسي وغيرهم ,فيتبعه كل أبناء جيله من المطربين ، بل يصرون على الشعراء والملحنين أن يوفروا لهم هذا النوع من الغناء، ولم يدروا أن الموهبة لا تكتسب ولا تورث ولا تشترى ولا تباع فهي هبة إلهية، فهذا المطرب برع حتى في مدح سيد الأنام المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فأجاد، وجعل كل مادح يعود ليراجع أدواته.
رحمك الله أخي محمود عبد العزيز فقد كنت أنت حادي السودان الأول بعد جيل الرواد الذين نكن لهم جل التقدير والاحترام وستظل كذلك
لسنوات قادمات لأن الساحة الغنائية اخي محمود -وانت في رحاب ربك- لاتعرف الان الا (فارغ ) الغناء و( سخيفه ) وخرج جيل من المغنين
تخصصوا في اداء اعمال الغير والتكسب بها والرواد اعتراهم الرهق والمرض وقلة الحيلة , وغابت عن الخرطوم التي عشقتها وعشقك
شبابها – قبيل الحرب الملعونة – غابت عنها الحفلات الجماهيرية التي كنت تقيمها في الاستادادت لا في الصالات الضيقة والبرامج التلفزيونية الفطيرة وحفلات الاعراس .
والان الشباب بلا هادي ولادليل فني فالكل ( فلفل شعره ) وامسك بالمايك ويحاول ان يكون نسخة من الاصل ولكن هيهات .
خروج أول
ابا الفقير بلباص كمل قريشاتي
دخني بالبخرات ومحايتا شربني
قال في الكتاب مكتوب بعد الخواتم شئ
قلب الغزالة ام زين لي قلبي مابمشي
ياغزال القوز فوق الرهيد ارتع
بشكيك لرب الكون الفي العيون ابدع
خروج أخير
بالأمس كرم مركز المقرن للخدمات الصحفية لربانه الدكتور عمار زكريا كرم ثلة من الصحفيين الذين صمدوا في عاصمة الصمود ( الخرطوم ) طوال سني الحرب ولم يبارحوها ، وكانوا سندا للقوات المسلحة وأذرعها حتى تحقق النصر ، جمعت الفعالية الجامعة لفيف من الرسميين والشعبيين والعائلات الأم درمانية بقيادة مديرها التنفيذي الاستاذ سيف الدين مختار ، وحملت عنوان ( صمود صحفي ) ، تحدث فيها وزير الثقافة والاعلام والسياحة والٱثار الاتحادي الاستاذ خالد الإعيسر ووزير الثقافة والاعلام بولاية الخرطوم الاستاذ الطيب سعد الدين والدكتور عمار زكريا صاحب التكريم ومهندسه والزميل يوسف عبدالمنان عن جموع المكرمين .
وجاءت كل الكلمات داعمة للقوات المسلحة والمشتركة والفصائل الأخرى التي قدمت الشهداء والجرحى من اجل ان تعود الخرطوم عاصمة عزيزة للسودان الواحد محيية صمود حملة الأقلام الصحفية في وجه الصلف الجنجويدي دون حياد .
وجاءت مشاركات كورال المدارس الخاصة بالأغنيات الوطنية الخالدة ، لوحة مضيئة لتلك الليلة التي غاب بدرها ، اما شهادة التكريم التي منحت لنا ، فقد ازاحت عنا ٱلام معتقلات الجنجويد ومٱسيها ، وخبرتنا بأن في السودان مرفق مدني يحتفي في وطنية صادقة بحملة الأقلام من الصامدين في الحرب ، فالشكر والتجلة والعرفان لمركز المقرن للخدمات الصحفية وللدكتور القانوني والاديب الأريب والصحفي الضخم عمار زكريا ، وعاشت الخرطوم حرة أبية بقائدها الجنرال البرهان واركانحربه وسلمه ، ولواليها البلدوز احمد عثمان حمزة ، وغدا سنعزف معا لحن السلام الجمهوري في كامل تراب السودان بإذن الله الواحد الأحد .
yagoub777@gmail.com


