23.3 C
Khartoum
الخميس, مارس 12, 2026

إستراتيجية التضليل المتعمدة الإيرانية تعيد تعريف قواعد الاشتباك وتقود نحو نهاية إسرائيل .. قلم وطني بقلم خالد المصطفى

إقرأ ايضا

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يشهد المراقبون إعادة تعريف جذرية لمفاهيم الأمن والردع، حيث تتساقط القناعات الراسخة كأوراق الخريف أمام واقع عسكري جديد لم يألفوه. فما كان يُنظر إليه باعتباره “قبة حديدية” أو درعاً منيعاً، تحول في غضون لحظات إلى سماء مفتوحة تكشف عن ثغرات عميقة في منظومات دفاعية ظلت لعقود محل ثقة. هذا التحول الدراماتيكي، الذي تجلى في صواريخ باليستية إيرانية تقطع المسافات لتضرب العمق، لا يعلن فقط عن ميلاد عصر عسكري جديد، بل يطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل الكيان الإسرائيلي، في مشهد يعيد للأذهان طروحات فكرية وسياسية طالما ناقشت إمكانية “نهاية إسرائيل”.

لقد شهدت الأيام الأخيرة تطورات غير مسبوقة أعادت خلط الأوراق. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو السماء باحثة عن فعالية منظومات الدفاع الجوي المتطورة، مثل “آرو” و”حيتس” و”القبة الحديدية” التي صممت لاعتراض الأهداف الفردية والمتوسطة، حدث ما لم يكن في الحسبان. صاروخ باليستي واحد، ينشق في طبقات الجو العليا، ليتحول إلى ما بين أربعة وعشرين وثمانين قنبلة صغيرة تتناثر في مشهد يشبه الشهب المتساقطة. هذه الرؤوس المتشظية، التي تحمل كل منها كيلوغرامات من المتفجرات، لا تسقط بشكل عشوائي فقط، بل تغطي مساحة شاسعة قد تصل إلى ثمانية أو عشرة كيلومترات، كاشفة عن عجز الرادارات المصممة لرصد هدف واحد عن التعامل مع هذا السرب الكامل من الرؤوس الذي يظهر فجأة. هذا التطور النوعي في التكتيكات، والذي أقرت به وسائل إعلام إسرائيلية وغربية، يشكل قفزة نوعية تضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل المعادلات الدفاعية التقليدية التي اعتمد عليها الكيان لعقود.

لكن القصة لا تتوقف عند الشكل الخارجي للصاروخ، بل تمتد لتشمل العقلية التي تدير المعركة. التقارير الميدانية تشير إلى استراتيجية تضليل متعمدة، لا تعتمد على إطلاق الصواريخ دفعة واحدة، بل عبر تكتيك يسمى “الإرباك الزمني”؛ صاروخ، ثم صمت، ثم هجمة مباغتة من اتجاه آخر. هذا الأسلوب أربك منظومات الإنذار المبكر وأصابها بالعماء الجزئي، خاصة مع امتلاك الصواريخ الجديدة بصمة رادارية منخفضة تجعلها تظهر في اللحظات الأخيرة فقط. والنتيجة كانت صدمة مضاعفة: ليس فقط بسبب دوي الانفجارات، بل بسبب صمت صافرات الإنذار أحياناً، أو تأخرها، مما زاد من رعب اللحظة وأربك حسابات القيادة العسكرية.

ما يجري ليس مجرد استعراض عضلات، بل هو عملية استنزاف ممنهجة بامتياز. فالهجمات تبدو وكأنها تخضع لمنطق إرباك العقل قبل الجسد؛ ضربة في الجنوب تليها مباغتة في الشمال، ثم تركيز مفاجئ على العمق. هذا التشتيت يكبد منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية خسائر اقتصادية فادحة، حيث أن كل صاروخ اعتراضي مثل “آرو” أو “دايفيد sling” قد يكلف مليوني دولار أو أكثر، في مقابل صواريخ إيرانية أقل تكلفة. وسائل إعلام عبرية تملؤها التساؤلات عن هذا الفشل التقني، والجيش الإسرائيلي يعترف بدراسة آليات العمل، وهو ما يعني في اللغة العسكرية أن سلاحاً جديداً دخل الميدان لم يكونوا مستعدين له بعد.

اللافت في هذه المعادلة أن الضربات لم تعد عشوائية النتائج فحسب، بل إن أثرها يتعدى لحظة الانفجار. فالقنابل الصغيرة غير المنفجرة تتحول إلى ألغام أرضية تهدد المدنيين لسنوات بعد انتهاء الحرب، مما يضيف بُعداً إنسانياً معقداً إلى الصراع ويزيد من الضغط النفسي على المستوى الشعبي. تقارير ميدانية تحدثت عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق مدنية نتيجة هذه الشظايا، متجاوزة بذلك قدرة المنظومات الدفاعية على حماية السكان حتى داخل المناطق التي كانت تعتبر آمنة.

في العمق، يكشف هذا المشهد عن تحول استراتيجي كبير. فإسرائيل التي راهنت دائماً على التفوق التكنولوجي كضامن لوجودها وأمنها، تواجه الآن معادلة تكنولوجية مضادة تقلب الطاولة. صواريخ إيرانية الصنع تثبت قدرتها على تحدي المنظومات الدفاعية الأمريكية وغيرها من الأنظمة التي بنيت عليها عقائد عسكرية كاملة. السؤال المطروح الآن في الأوساط العسكرية والتحليلية يتجاوز حدود كفاءة هذا الدرع أو ذاك، ليصل إلى جوهر مفهوم الردع: كيف يمكن ردع عدو يمتلك أسلحة تعيد تعريف قواعد الاشتباك بهذا الشكل؟

في الختام، تشير مجمل هذه التطورات المتسارعة إلى أننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة كلياً في تاريخ المنطقة. إن تآكل التفوق الدفاعي المطلق، والقدرة على إرباك العمق وإرهاقه باستراتيجيات ذكية ومنخفضة التكلفة، ليست مجرد مناورات عسكرية عابرة. إنها مؤشرات دامغة على أن المعادلات القديمة لم تعد صالحة، وأن ما كان يعرف بـ”أمن إسرائيل” دخل نفقاً من الهشاشة لم يشهد له مثيلاً. هذا الواقع الجديد، المتمثل في صواريخ إيرانية تعيد تعريف قواعد الاشتباك، يمهد الطريق لمراجعة شاملة لكل الفرضيات التي قام عليها الكيان، ويجعل من الحديث عن “النهاية” سيناريو واقعياً يتسرب من دفاتر التحليل النظري إلى صلب المشهد السياسي والعسكري الملموس على الأرض.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة