33.4 C
Khartoum
الخميس, مارس 12, 2026

العون الإنساني في السودان بين ارتباك الإدارة وتعطيل الدور«قراءة في واقع المفوضية الاتحادية للعون الإنساني اليوم» .. رشا محمداحمد ابو كلابيش

إقرأ ايضا

Home
العون الإنساني في السودان بين ارتباك الإدارة وتعطيل الدور«قراءة في واقع المفوضية الاتحادية للعون الإنساني اليوم» .. رشا محمداحمد ابو كلابيش
اعمدة
العون الإنساني في السودان بين ارتباك الإدارة وتعطيل الدور«قراءة في واقع المفوضية الاتحادية للعون الإنساني اليوم» .. رشا محمداحمد ابو كلابيش
By alsadatnews
مارس 12, 2026
لا توجد تعليقات

FacebookWhatsAppTwitterانشر
العون الإنساني في السودان بين ارتباك الإدارة وتعطيل الدور
«قراءة في واقع المفوضية الاتحادية للعون الإنساني اليوم»رشا محمد أحمد أبو كلابيش
مارس ٢٠٢٦م

🖋️ رشا محمد أحمد أبو كلابيش
مارس ٢٠٢٦م

في العمل الإنساني لا يكفي أن تكون النوايا حسنة، فالإدارة الرشيدة والوضوح المؤسسي هما الشرط الأول لنجاح أي منظومة إنسانية. غير أن الواقع الحالي لإدارة المفوضية الاتحادية للعون الإنساني يكشف عن حالة من “الارتباك الإداري وتضارب الصلاحيات”، انعكست بصورة مباشرة على أداء المنظمات الوطنية والأجنبية العاملة في السودان، وعلى قدرتها في الوصول إلى الفئات المتضررة من الحرب.

● تضارب المرجعيات… إرباك في القرار

واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه عمل المفوضية اليوم هي “تضارب الخطاب الإداري والسياسي”.
فمرة تُنسب التوجيهات إلى مجلس الوزراء السوداني، ومرة أخرى تُربط بقرارات مجلس السيادة السوداني، الأمر الذي يخلق حالة من الغموض حول الجهة المرجعية الفعلية لملف العمل الإنساني. هذا التضارب لا يربك فقط المؤسسات العاملة في المجال، بل ينعكس أيضًا على ثقة الشركاء الدوليين والمانحين في استقرار المنظومة الإدارية.

●الملفات موجودة… لكن الإجراءات معطلة

من الناحية النظرية، ملفات المنظمات وسجلاتها وأصولها محفوظة داخل المفوضية، إلا أن الواقع العملي مختلف تمامًا.
فالمنظمات تواجه صعوبات كبيرة في إجراءات التسجيل وإعادة التسجيل، وهي إجراءات كان يفترض أن تكون إدارية روتينية. لكن ما يحدث اليوم أن هذه العملية أصبحت في كثير من الأحيان بطيئة ومعقدة، وفتحت الباب أمام وسطاء وسماسرة يستغلون تعقيد الإجراءات لتحقيق مكاسب شخصية.

هذا الوضع لا يضر فقط بالمنظمات، بل يضر بسمعة العمل الإنساني نفسه، ويخلق بيئة غير صحية قد تدفع بعض الجهات إلى البحث عن طرق غير مؤسسية لتسيير أعمالها.

● أزمة الكادر البشري

المفارقة المؤلمة أن المفوضية تعمل اليوم بكادر محدود جدًا مقارنة بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.

ففي بعض الحالات يُكلف موظف واحد بإدارة ثلاث مهام إدارية عليا في وقت واحد، بينما يتم الاستعانة بموظفين متقاعدين لتمثيل المفوضية في لجان حكومية وغير حكومية.

هذا الواقع يثير تساؤلات مشروعة:
هل المشكلة فعلًا في نقص الكفاءات؟ أم في طريقة إدارة الموارد البشرية داخل المفوضية؟

الكثيرون يعلمون أن هناك كادرًا مؤهلًا قادرًا على العمل بكفاءة، دون أن يشكل عبئًا على قرارات وزارة المالية السودانية أو توجيهات وزيرة مجلس الوزراء السودانية فيما يتعلق بنسبة الكادر العامل. لكن هذا الكادر لا يُستفاد منه بالشكل المطلوب، بينما تستمر حالة الضغط الإداري على عدد محدود من الموظفين.

● بورتسودان أم الخرطوم؟

من القضايا التي أصبحت محل نقاش واسع استمرار وجود المفوضية خارج العاصمة الخرطوم، مع تمركزها في بورتسودان خلال فترة الحرب.

قد يكون لهذا الوضع ما يبرره في ظروف معينة، لكن استمرار هذا الواقع لفترة طويلة أصبح يخلق أعباء مالية وإدارية كبيرة.

فبقاء المفوضية بعيدًا عن الخرطوم يعني استمرار الصرف على الإيجارات والحوافز والبدلات والمأموريات، وهي مصروفات إدارية يستفيد منها عدد محدود من الأفراد. وفي المقابل تُجبر المنظمات الإنسانية على التواجد في بورتسودان لمتابعة إجراءاتها الإدارية، حتى وإن كانت برامجها وأنشطتها في ولايات أخرى.

● عودة المفوضية… خطوة نحو التعافي

عودة المفوضية إلى الخرطوم ليست مجرد خطوة إدارية، بل قد تكون مدخلًا مهمًا لعودة المنظمات نفسها للعمل من داخل العاصمة.
وهذا يعني إعادة تنشيط برامج الإنعاش وإعادة الإعمار والتنمية التي تحتاجها البلاد بشدة في هذه المرحلة.

كما أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تقليل المصروفات الإدارية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية، وخلق بيئة عمل أكثر استقرارًا ووضوحًا.

● سؤال لا بد من طرحه

يبقى السؤال الذي يتردد في أوساط العاملين في المجال الإنساني:

لمصلحة من يستمر هذا الارتباك في إدارة ملف العون الإنساني؟

فالعمل الإنساني في السودان اليوم ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة حياة لملايين المتضررين من الحرب والنزوح. وأي خلل في إدارة هذا الملف ينعكس مباشرة على الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.

● نحو إصلاح حقيقي

الإصلاح المطلوب ليس معقدًا، لكنه يحتاج إلى إرادة واضحة، ويمكن تلخيصه في عدة خطوات أساسية:

▪︎ توحيد المرجعية السياسية والإدارية لملف العون الإنساني.
▪︎ تبسيط إجراءات تسجيل المنظمات وإعادة تسجيلها.
▪︎ معالجة ظاهرة الوسطاء والسماسرة في الإجراءات الإدارية.
▪︎ إعادة هيكلة الكادر الوظيفي داخل المفوضية والاستفادة من الكفاءات المؤهلة.
▪︎ العمل على عودة المفوضية إلى الخرطوم في أقرب وقت ممكن.

في النهاية، يبقى ملف العون الإنساني واحدًا من أكثر الملفات حساسية في السودان اليوم.

التعامل معه بعقلية إدارية تقليدية أو حسابات ضيقة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد.

السودان يحتاج اليوم إلى مفوضية قوية وشفافة وقادرة على إدارة العمل الإنساني بكفاءة.

وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال قائمًا:

إلى متى يستمر الانتظار قبل أن يبدأ الإصلاح الحقيقي؟

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة