أيام ونستقبل العيد السعيد يطرق أبواب القلوب قبل الأبواب، حاملاً في العادة بشائر الفرح ولمّة الأهل ونبض الحياة المتجددة. غير أن العيد منذ العام 2023 وعلى التوالي حتى اليوم يطل على السودان بوجهٍ مثقلٍ بالتساؤلات، كأنه يردد مع الشاعر أبو الطيب المتنبي: «بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟».
يأتي العيد وطبول الحرب في السودان ما تزال تقرع في مناطق التماس، حيث لم تضع المعارك أوزارها بعد، وما زالت الأرض تسمع وقع الخطى الثقيلة للجراح المفتوحة. هناك، في المدن والقرى التي أنهكتها المواجهات، تستقبل الأسر العيد بقلوبٍ منقسمة بين الصبر والرجاء؛ فكم من بيتٍ يفتقد أبناءه الذين تفرّقت بهم السبل بين مفقودٍ ونازحٍ في وطنه، وآخرين لاجئين عبر الحدود، يحملون في ذاكرتهم مفاتيح بيتٍ قد لا يعرفون متى يعودون إليه.
وليس المشهد الإنساني وحده ما يثقل كاهل البلاد، بل إن الاقتصاد السوداني يقف على حافة ميزانٍ مضطرب، يتأرجح بين بوادر التعافي وأثقال الانكسار. فقد تركت الحرب آثارها العميقة على عجلة الإنتاج؛ فتوقفت مصانع، وتعطلت سلاسل الإمداد، وارتفعت معدلات التضخم حتى باتت الحياة اليومية امتحانًا عسيرًا للصبر. وفي ظل هذا الواقع أخذ المجتمع ينزلق تدريجيًا نحو انقسامٍ مؤلم بين طبقةٍ محدودة من القادرين وكتلةٍ واسعة من الفقراء، بينما تتآكل المسافة التي كانت يومًا ما تشكّل الطبقة الوسطى، العمود الفقري لأي استقرار اقتصادي واجتماعي.
وتزيد تعقيدات المشهد الإقليمي من ثقل هذه المعادلة؛ فالتوترات والحروب في المنطقة، بما فيها صراعات الشرق الأوسط التي تتقاطع فيها مصالح دول كبرى مثل إسرائيل والولايات المتحدة، تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار السلع والطاقة. وهي تأثيرات لا تقف حدودها عند جغرافيا بعينها، بل تمتد إلى دولٍ تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية مثل السودان.
ومع ذلك، فإن العتمة لا تكون كاملة في حياة الشعوب؛ ففي آخر النفق تلوح إشارات خافتة من الضوء. فبعض القطاعات بدأت تستعيد شيئًا من عافيتها، مدفوعة بإرادة العمل والصمود لدى السودانيين، وبقدرة المجتمع على التكيف مع أقسى الظروف. وهذه البوادر، وإن بدت متواضعة، تظل بذور أملٍ يمكن أن تنمو إذا ما وجدت الرعاية والتخطيط والدعم المؤسسي الجاد.
وفي هذا المقام لا بد من الإشارة إلى بشائر عودة الحياة إلى بعض المناطق التي عانت مرارة النزوح؛ إذ نبارك لمواطني ولاية الخرطوم العودة الآمنة إلى ديارهم بعد نزوحٍ مرير، وقد سبقهم مواطنو ولاية الجزيرة في العام المنصرم إلى خطوة مماثلة. وتظل الآمال معلّقة بأن تمتد هذه العودة الآمنة لتشمل أهلنا في جنوب كردفان ودارفور، إعلانًا لنهاية الحرب وعودة الاستقرار إلى ربوع البلاد.
إن العيد، في جوهره، ليس مجرد يومٍ في التقويم، بل لحظة تأملٍ في حال الأمة وفرصة لتجديد العهد مع المستقبل. وإذا كان السؤال الذي طرحه المتنبي قبل قرون ما يزال يتردد اليوم في فضاء السودان: «بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟»، فإن الجواب الحقيقي لن يُكتب بالكلمات وحدها، بل بالفعل؛ فعل الدولة حين تنهض بمسؤوليتها تجاه تحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة المواطن.
وهنا يبرز الدور الذي لا غنى عنه للدولة؛ إذ إن مسؤوليتها التاريخية تتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء مسارٍ واضح للتعافي. فهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بإعادة ترتيب الأولويات، وترميم البنية الاقتصادية، وإعادة تحريك الإنتاج، وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين بعدالة، إلى جانب مضاعفة الجهود لوقف الحرب وفتح الطريق أمام الاستقرار والسلام.
ولا يفتني كذلك ذكر دور المواطن وفعل المجتمع في معركة إعادة البناء؛ فالأوطان لا تنهض بقرارات الحكومات وحدها، بل بعزيمة شعوبها. إن تجديد العهد بمحاربة الفساد، وصون المال العام، والعمل بإخلاص من أجل المصلحة الوطنية، هو الطريق الأقصر نحو استعادة العافية.
ففي قلب هذا الوطن، مهما اشتدت العتمة، تبقى جذوة الحياة مشتعلة… تنتظر فقط من يفتح لها الطريق كي تتحول إلى فجرٍ جديد.


