39.5 C
Khartoum
الثلاثاء, مارس 17, 2026

استهداف مفاعل ديمونا في النقب يحقق تحولاً استراتيجياً في معادلة الردع الإقليمية قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في تطور غير مسبوق يشهده المشهد الإقليمي، باتت المنطقة على موعد مع إعادة تعريف جذرية لمفاهيم الأمن والردع، وذلك في أعقاب الاستهداف المباشر لمحيط مفاعل ديمونا النووي في صحراء النقب، القلب النابض للبرنامج النووي الإسرائيلي الغامض وأحد أكثر المواقع تحصيناً وسرية في الشرق الأوسط. هذا الحدث، الذي يأتي في سياق مواجهة مفتوحة وغير مسبوقة، يضع النقاط على الحروف في ملفات ظلت طي الكتمان لعقود، ويكشف عن تحولات عميقة في ديناميكيات القوة، حيث تجاوزت الرسالة الأبعاد العسكرية لتلامس جوهر عقيدة الردع التي قامت عليها سياسة الغموض النووي الإسرائيلية منذ ستينيات القرن الماضي.

لطالما شكل مفاعل ديمونا، أو “مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية” باسمه الرسمي، ركيزة أساسية لسياسة الغموض التي تتبناها إسرائيل، حيث لم يتم تأكيد أو نفي امتلاكها أسلحة نووية، بينما تشير تقديرات “نشرة علماء الذرة” إلى امتلاكها نحو 90 رأساً نووياً ومخزوناً من البلوتونيوم يكفي لإنتاج مئات القنابل. هذا المفاعل، الذي أقيم أواخر الخمسينيات بمساعدة فرنسية ونرويجية، منح المنطقة نوعاً من الاستقرار الهش المبني على توازن دقيق للقوى. إلا أن وصول الصواريخ البعيدة المدى إلى تخوم هذا الموقع الإستراتيجي، الذي يبعد حوالي 25 كيلومتراً عن الأردن و75 كيلومتراً عن مصر، يشير إلى أن هذه المظلة قد تعرضت لاهتزازات عميقة تعيد التساؤل حول مستقبل هذه العقيدة برمتها.

الوضع الراهن، كما تظهره التقارير الميدانية وتحليلات الخبراء، يشير إلى سقوط صواريخ بعيدة المدى في المنطقة المحيطة بالمفاعل، مستهدفة المنشآت الملحقة وأنظمة الحماية الخارجية. ورغم أن المفاعل نفسه لم يصب بشكل مباشر، كما أكدت منصات التحقق التي نفت صحة فيديوهات قديمة تم تداولها على أنها للاستهداف، إلا أن الرسالة تجاوزت البعد المادي لتصل إلى جوهر العقيدة الأمنية. هذا الاختراق، الذي وصفه مراقبون بأنه الأخطر في تاريخ المنشآت الإستراتيجية، يعكس قدرة غير مسبوقة على تخطي أنظمة الدفاع الجوي المتطورة المحيطة بديمونا، والتي تضم منظومات “آرو 2 و3” و”مقلاع داوود”، وحتى نظام “الشعاع الحديدي” الليزري الذي دخل الخدمة مؤخراً لاعتراض الصواريخ بسرعة الضوء.

تتجاوز التبعات المباشرة لهذا الحدث مجرد الأضرار المادية، لتصل إلى إعادة تقييم شاملة لمفهوم الأمان الإقليمي. فإذا كانت التحصينات الخرسانية السميكة والمتعددة الطوابق تحت الأرض لم تعد توفر الحماية الكافية، فإن ذلك يثير قلقاً واسعاً حول فعالية أنظمة الدفاع القائمة. كما يؤكد الخبير العسكري العميد حسن جوني في تحليل للجزيرة، فإن مفاعل ديمونا قديم جداً ويعود لبداية الخمسينيات، وهو غير مجهز للحماية من الأسلحة الجديدة، مما يعني أن أي ضرر يلحق به قد يطال سكان مدينة ديمونا بالأساس، ويمتد تأثيره على مظاهر الحياة لسنوات طويلة، خاصة مع وجود أخطار تسرب إشعاعي قد يصل إلى الدول المجاورة.

التحليلات المتعمقة تشير إلى أن هذا المسار الجديد للمواجهة يعني تجاوز الخطوط الدفاعية التقليدية، والانتقال إلى مرحلة استهداف مراكز الثقل الإستراتيجي التي ظلت خطاً أحمر محايداً لعقود. وصول هذه الصواريخ إلى تخوم المفاعل النووي يفرد واقعاً عسكرياً جديداً، تتراجع فيه فكرة المناطق المحصنة، ويجعل العمق الإستراتيجي جزءاً من معادلة الاشتباك اليومية. يضاف إلى ذلك ما كشفته صور الأقمار الصناعية من أعمال بناء متسارعة في الموقع، يُرجح أنها لبناء مفاعل جديد تحت الأرض أو منشأة لتجميع الرؤوس النووية، مما يؤكد أن إسرائيل تمضي في تعزيز قدراتها النووية خارج أي رقابة دولية، في مفارقة تجعل خطابها حول الخطر النووي الإيراني يبدو وكأنه ازدواجية معيارية.

في الختام، إن ما شهدته صحراء النقب الليلة لا يمثل مجرد استهداف جغرافي لمفاعل ديمونا، بل هو تفكيك لأسطورة الحصانة التي أحاطت بهذا الموقع لعقود، وإسقاط للهالة التي جعلته بمنأى عن أي حسابات عسكرية. لقد انكشف الستر عن الصندوق الأسود الذي كان يُظن أنه بعيد عن متناول اليد، وباتت المنشأة التي كانت توفر الردع في الماضي هي المصدر الأول للقلق الوجودي، ليس فقط لإسرائيل بل للمنطقة بأسرها التي قد تتحول إلى مسرح لكارثة إشعاعية عابرة للحدود. هذا الحدث يعزز القناعة بأن السيطرة الميدانية بدأت تنزلق، وأن قواعد اللعبة قد تغيرت بالكامل، مما يستدعي إعادة نظر شاملة في الاستراتيجيات الأمنية والإقليمية، في مشهد بات فيه الميدان هو الفاصل الوحيد والحاسم.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة