وعلى حد قولي:
يا من ظننتم أن الصمت انكسار
إن الجبال إذا سكنت لا تنهار
في قلبها بركان صبرٍ صامت
حتى إذا نطق الزمان فثار
في لحظة سياسية كثيفة الدلالات، خرج الدكتور عثمان محمد يوسف كبر عن صمته الطويل، ليضع حداً للأكاذيب والتلفيقات التي بثتها قناة اسكاي نيوز عبر ما سمّته تسريبات لحديث منسوب إليه. وقد جاء رد كبر في بيان مباشر وحاسم، حمل نفياً قاطعاً لما ورد في تلك المادة الإعلامية، معتبراً أنها محاولة جديدة لإعادة إنتاج سرديات سياسية تهدف إلى تشويه شخصه وتشويه دور الحركة الإسلامية في المشهد السوداني الراهن.
ويُعد كبر من الشخصيات السياسية المعروفة في السودان، فقد شغل عدداً من المناصب التنفيذية المهمة خلال سنوات حكم الإنقاذ، أبرزها والي ولاية شمال دارفور لسنوات طويلة، ثم نائب رئيس الجمهورية في الفترة الأخيرة من عمر الحكومة السابقة. وخلال تلك السنوات نسج علاقات سياسية واقتصادية ودبلوماسية واسعة، وكان حاضراً في ملفات معقدة تتعلق بالأمن والاستقرار في إقليم دارفور.
ولذلك فإن أي حديث ينسب إليه يكتسب بطبيعته وزناً سياسياً وإعلامياً، وهو ما جعل ما بثته القناة محل جدل واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً بعد أن انتشر التسجيل المزعوم بسرعة كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، بين من صدقه وتعامل معه باعتباره وثيقة سياسية، وبين من شكك في مصداقيته منذ اللحظة الأولى.
كبر افتتح بيانه بالبسملة، ثم اتجه مباشرة إلى تكذيب ما نشرته القناة، مؤكداً أن ما بثته لا يعدو أن يكون مادة مصنوعة، جرى تقديمها على أنها تسريبات من مصادر خاصة. وأوضح أن تلك المادة احتوت على ما وصفه بالأساطير والأكاذيب التي لا علاقة لها بالواقع، وأنها صيغت بطريقة تهدف إلى خلق انطباعات سياسية محددة لدى الرأي العام.
وأشار إلى أن انتشار تلك التسريبات أحدث ردود فعل متباينة، فقد أحزنت بعض الناس وأفرحت آخرين، حتى تعامل معها البعض وكأنها حقيقة ثابتة. غير أن كبر رد على ذلك بلغة هادئة ولكنها حازمة، مستشهداً ببيت شعر يعكس ثقته في نفسه وفي موقفه، مؤكداً أن ما يقال عنه لا يمكن أن يهز مكانته أو يغير من قناعاته.
غير أن النقطة الأكثر أهمية في رد كبر تمثلت في سرده للوقائع الزمنية التي قال إنها تكشف زيف ما نُسب إليه. فقد أوضح أنه منذ أبريل 2019 وحتى يوم الخامس عشر من مارس 2025 ظل إما معتقلاً أو لاجئاً خارج البلاد، وهو ما يعني أنه لم يكن في موقع يسمح له باتخاذ أي قرار سياسي أو تنظيمي أو حتى اجتماعي، كما ادعت تلك التسريبات.
هذه الحجة الزمنية التي قدمها كبر تمثل في نظر كثير من المراقبين واحدة من أقوى نقاط دفاعه، لأنها ترتبط بواقع موثق، حيث اعتقل بالفعل بعد سقوط نظام الإنقاذ ضمن إجراءات لجنة إزالة التمكين، وظل لفترة طويلة في السجن قبل أن تصدر المحكمة حكماً ببراءته من التهم المالية التي وُجهت إليه لعدم ثبوت أي فساد مالي.
وتلك البراءة القضائية كانت في حد ذاتها محطة مهمة في مسيرة الرجل السياسية، إذ اعتبرها أنصاره دليلاً على أن الحملة التي تعرض لها كانت ذات طابع سياسي أكثر من كونها قانونية، بينما رأى خصومه أنها لا تعني بالضرورة تبرئة كاملة من المسؤولية السياسية عن المرحلة السابقة.
لكن كبر في بيانه لم يتوقف عند حدود الدفاع الشخصي، بل ذهب أبعد من ذلك، حيث اتهم القناة بأنها تسير وفق خط إعلامي معروف يقوم على بناء سرديات سياسية محددة تخدم أجندة معينة. واعتبر أن الهدف من تلك السرديات هو تعزيز الاتهامات التي تقول إن الحركة الإسلامية السودانية ما زالت تدير المشهد السياسي من خلف الستار.
وفي هذا السياق، قال إن تلك الرواية تسعى أيضاً إلى تقليل شأن الحكومة القائمة حالياً، وإلى تأليب بعض القيادات السياسية ضد جهات أخرى داخل الساحة الوطنية، بما يؤدي في النهاية إلى زرع الفتن داخل الصف السوداني الذي يساند القوات المسلحة في معركة الكرامة.
ومن خلال هذا الطرح حاول كبر أن يربط بين ما بثته القناة وبين سياق سياسي أوسع، معتبراً أن الأمر لا يتعلق بشخصه فقط، بل بمحاولة إضعاف حالة التماسك التي ظهرت في بعض الأوساط السودانية خلال الحرب الدائرة في البلاد.
كما أشار إلى نقطة أخرى اعتبرها دليلاً على عدم دقة التسريبات، وهي ما ورد فيها بشأن تعيين الفريق أول عبد الفتاح البرهان. فقد أكد كبر أن البرهان لم يتم اختياره من قبل الحركة الإسلامية كما زعمت التسريبات، وإنما تم اختياره لرئاسة مجلس السيادة من قبل المجلس العسكري بعد سقوط حكومة الإنقاذ .
وهذه النقطة تحديداً تلامس أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة السودانية المعاصرة، وهو ملف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية، وهي علاقة ظلت محل جدل طويل داخل السودان وخارجه.
كبر حاول في بيانه أيضاً أن يضع نفسه في موقع مختلف داخل الحركة الإسلامية، حيث أكد أنه مجرد عضو فيها وليس قائداً في هياكلها التنفيذية أو التشريعية، في إشارة واضحة إلى أن تحميله مسؤولية قرارات سياسية أو تنظيمية كبيرة لا يستند إلى أساس واقعي.
كما عاد إلى لحظة الانقلاب الذي أعلن فيه الفريق عوض بن عوف اقتلاع نظام الإنقاذ من جذوره، وهي العبارة التي قال كبر إنها تكررت مرتين في البيان الرسمي. ومنذ تلك اللحظة، بحسب روايته، لم يكن له أي دور سياسي مباشر، إذ انتقل من السجن إلى المنزل دون أن تتاح له فرصة المشاركة في أي نشاط سياسي.
هذه الرواية الزمنية التي قدمها كبر تسعى بوضوح إلى نفي الفكرة الأساسية التي حاولت التسريبات ترسيخها، وهي أنه ما زال فاعلاً في إدارة بعض الملفات السياسية من خلف الكواليس.
وفي ختام بيانه قدم كبر نفياً قاطعاً لكل ما ورد في تلك التسريبات، مؤكداً أن القناة التي بثتها لا تعرف حتى اسمه الصحيح، وهو تعبير استخدمه للتأكيد على ضعف مصداقية المادة الإعلامية التي نشرتها.
كما دعا المختصين في تقنيات السلامة الرقمية إلى مواصلة التحليل الفني للتسجيل المتداول، من أجل إثبات حقيقته وكشف ما إذا كان مفبركاً أو تم التلاعب به باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أو غيرها من أدوات التزييف الحديثة.
هذا النداء يعكس إدراكاً متزايداً في الأوساط السياسية السودانية لخطورة ما يعرف بالحروب الرقمية، حيث أصبحت التسريبات الصوتية والمقاطع المفبركة أدوات مؤثرة في الصراع السياسي والإعلامي.
وبعيداً عن تفاصيل الجدل الإعلامي، فإن خروج كبر من صمته بعد فترة طويلة يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ يعكس تقديم نفسه للرأي العام بعد سنوات من الغياب.
كما يعكس أيضاً إدراكاً بأن المعركة السياسية في السودان لم تعد تُخاض فقط في ميادين السياسة التقليدية، بل في فضاءات الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمقطع صوتي أو تسجيل مفبرك أن يشعل جدلاً واسعاً في ساعات قليلة.
وفي كل الأحوال فإن رد كبر لن يكون على الأرجح نهاية هذا الجدل، بل قد يكون بداية لجولة جديدة من النقاش حول حقيقة تلك التسريبات، وحول الدور الحقيقي الذي تلعبه القيادات السياسية القديمة في المشهد السوداني المتغير.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه كثير من المراقبين
هل ستظهر أدلة تقنية حاسمة تؤكد صحة تلك التسريبات أو تنفيها بشكل قاطع؟
أم أن القضية ستظل جزءاً من الضباب السياسي الذي يحيط بالبلاد منذ سنوات؟
إلى أن تتضح الصورة، يظل بيان كبر يضع حد لما وصفه بمحاولات الاغتيال السياسي، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً واضطراباً.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة
www.masaribaldai.com


