30.9 C
Khartoum
الأربعاء, أبريل 15, 2026

حين يتكلم الضمير ويعلو الجدار: في صدام…د رائد ناجي العالمية والقومية بين خطاب الكنيسة ومنطق الدولة … د. ر

إقرأ ايضا

ليس قول البابا “أنا لا أخشى ترامب” عبارة عابرة في سياق إعلامي عابر، بل هو جملة مشحونة بتاريخ طويل من التوتر بين فكرتين متقابلتين: فكرة ترى الإنسان كائناً كونيًّا عابرًا للحدود، وأخرى تعيد تعريفه داخل أسوار الدولة وحدود الهوية. هنا لا يقف الكرسي الرسولي في مواجهة دونالد ترامب كشخصين، بل كرمزين لرؤيتين تتنازعان روح العالم المعاصر.

العالمية، كما تتبناها الكنيسة الكاثوليكية، ليست مجرد خطاب أخلاقي عن الأخوة الإنسانية، بل هي تصور أنطولوجي للإنسان بوصفه كائناً يتجاوز الجغرافيا. الإنسان، في هذا الأفق، لا يُختزل في جواز سفر، ولا تُختصر كرامته في انتماء سياسي، بل يُنظر إليه باعتباره قيمة مطلقة. ومن هنا ينبع دفاع الكنيسة عن المهاجرين، ورفضها لسياسات الإقصاء، ودعوتها الدائمة إلى بناء الجسور بين الثقافات والأديان.

في المقابل، تتأسس القومية، كما تجلت في خطاب دونالد ترامب، على فكرة الحماية والحدود. الدولة هنا ليست فقط إطاراً تنظيمياً، بل كياناً يجب صونه من “الآخر”، سواء كان هذا الآخر مهاجراً، أو ثقافة مختلفة، أو حتى تصوراً مغايراً للعالم. شعار “أمريكا أولاً” لا يُقرأ فقط كأولوية سياسية، بل كإعادة ترتيب للإنسان داخل هرم الانتماء، حيث تتقدم الأمة على القيم الكونية.

هذا الصدام ليس جديداً في التاريخ، لكنه اليوم يأخذ طابعاً أكثر حدّة بسبب التحولات العالمية. فمع تصاعد الهجرة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتزايد المخاوف الأمنية، بدأت المجتمعات تميل إلى الانغلاق، وتبحث عن الأمان في الهوية الضيقة. وهنا تظهر القومية كملاذ نفسي قبل أن تكون خياراً سياسياً.

غير أن خطاب العالمية، رغم ما يبدو عليه من مثالية، لا يخلو من قوة واقعية. فالكنيسة، عبر الكرسي الرسولي، تدرك أن العالم لم يعد قابلاً للانقسام الحاد. الحدود، مهما اشتدت، لا تستطيع أن توقف حركة البشر، ولا تدفق الأفكار، ولا تشابك المصالح. ومن ثم، فإن الدعوة إلى الانفتاح ليست ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة تاريخية.

لكن السؤال العميق الذي يفرض نفسه هنا: هل العالمية قادرة فعلاً على احتواء مخاوف الشعوب؟ وهل تستطيع القومية أن تقدم بديلاً إنسانياً دون أن تنزلق إلى الإقصاء؟

في هذا التوتر، تتكشف مفارقة كبرى. فالعالمية، التي تدعو إلى إزالة الحدود، قد تُتهم بتجاهل الخصوصيات الثقافية، بينما القومية، التي تحمي الهوية، قد تتحول إلى أداة لإقصاء الآخر. وهكذا يجد الإنسان نفسه بين خيارين: أن ينتمي إلى العالم فيفقد بعض ملامحه، أو ينغلق على ذاته فيفقد إنسانيته الأوسع.

إن قول البابا “لا أخشى” يحمل في عمقه معنى آخر: أن الخوف الحقيقي ليس من شخص أو سياسة، بل من تحول العالم إلى فضاء منغلق، تُبنى فيه الجدران أكثر مما تُمد فيه الجسور. وهو في هذا المعنى لا يواجه سياسة بعينها، بل يدافع عن تصور للإنسانية مهدد بالتآكل.

ولعل ما يزيد هذا الصدام تعقيداً هو أن كلاً من الطرفين يمتلك منطقه الخاص. فالدولة، في منطقها القومي، مسؤولة عن حماية مواطنيها، وضبط حدودها، والحفاظ على استقرارها. أما الكنيسة، في منطقها العالمي، فترى أن الإنسان أوسع من الدولة، وأن الكرامة لا تُجزأ، وأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية.

بين هذين المنطقين، لا يبدو أن هناك حلاً بسيطاً. غير أن التاريخ يعلمنا أن التوازن هو السبيل الوحيد للاستمرار. فلا عالمية بلا جذور، ولا قومية بلا أفق إنساني. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في انتصار أحدهما على الآخر، بل في إيجاد صيغة تجعل من الهوية جسراً لا جداراً، ومن الانتماء إضافة لا إقصاء.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بترامب أو بالبابا، بل بسؤال أكبر: أي عالم نريد؟ عالم تُرسم فيه الحدود بالحبر والخوف، أم عالم تُكتب فيه الإنسانية بلغة مشتركة تتجاوز الانقسامات؟

ذلك هو الصدام الحقيقي، وذلك هو الرهان الذي سيحدد ملامح القرن القادم.
ا

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة