30.9 C
Khartoum
الأربعاء, أبريل 15, 2026

الهجمات على إيران بعدسة القانون الدولي الإنساني

إقرأ ايضا

د.رجاء عبدالله حمد الزبير

تعد مسالة استهداف الأعيان ذات الإستخدام المزدوج
(dual use object)
من أكثر القضايا إثارة للجدل في القانون الدولي الإنساني،لما تنطوي عليه من تعارض ظاهر بين الضرورات العسكرية ومتطلبات حماية السكان المدنيين،ويبرز هذا الجدل بوضوح في سياق الهجمات التي تستهدف منشآت حيوية ،مثل منشآت النفط التي قد تستخدم لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد.

في هذا الإطار تكتسب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران أهمية خاصة عند تقييمها في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني بما في ذلك اتفاقيات جنيف
الاربع وبروتوكولاتها الإضافية ،
والقواعد العرفية ذات الصلة
ويرتكز القانون الدولي الإنساني على مجموعة من المبادئ الاساسية التي تحكم سلوك أطراف النزاع المسلح وفي مقدمتها مبدأ التمييز ،الذي يفرض قصر الهجمات على الأهداف العسكرية دون غيرها.

غير أن الأعيان ذات الأستخدام المزدوج ،
كمنشآت النفط تٌثير إشكالاً خاصاً ،إذ يمكن اعتبارها أهدافاً عسكرية مشروعة متى ساهمت مساهمة فعالة في العمل العسكري ،وكان تدميرها يحقق ميزة عسكرية أكيدة.

وفي المقابل يفرض مبدأ التناسب قيداً حاسماً يتمثل في حظر أي هجوم يُتوقع أن يُسفر عن خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو أضرار بالأعيان المدنية تكون مفرطة بالقياس إلى الميزة العسكرية المرجوة،وتُعد هذه المبادئ رغم تقنينها في البروتوكولات الإضافية،جزءاً من القانون الدولي العرفي،ومن ثم فهي ملزمة لكافة الدول.

كما يقر القانون الدولي الإنساني بحظر صريح لأعمال العنف أو التهديد به التي يكون الغرض
الأساسي منها بث الرعب بين السكان المدنيين،وهو حظر ورد بوضوح في المادة (51/2) من البروتوكول الإضافي الاول لاتفاقيات جنيف المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية،وكذلك في المادة (13/2) من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية ،وتكمن أهمية هذين النصين في أنهما يكرسان قاعدة أساسية مفادها أن الهجمات التي تستهدف أو يُقصد بها نشر الخوف والذعر بين المدنيين تُعد محظورة ،سواء في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية
وعلى الرغم من عدم تصديق إيران و إسرائيل على هذين البروتوكولين،
فإن هذا الحظر أكتسب صفة القاعدة العرفية الملزمة،مما يجعله واجب التطبيق في جميع النزاعات المسلحة،بغض النظر عن طبيعتها أو الوضع التعاهدي لأطرافها.

وقد أستقر القضاء الدولي على تأكيد هذا الحظر كما ورد في قضية (Galic)،أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة ،التي قررت أن الأفعال المحظورة لا تقتصر على الهجمات المباشرة ضد المدنيين أو التهديد بها بل تشمل كذلك الهجمات والتهديدات العشوائية أو غير المتناسبة التي يكون من شأنها أو من آثارها المتوقعة نشر الرعب بين السكان المدنيين
ومن ثم فإن التقييم القانوني لا ينحصر في نية الفاعل،بل يمتد إلى طبيعة الفعل ونتائجة المتوقعة،وما إذا كان من الممكن استنتاج أن بث الرعب كان نتيجة مرجحة أو مقصودة .

وعند تطبيق هذه القواعد على استهداف منشآت تخزين النفط في طهران وما حولها، تبرز عدة اعتبارات قانونية دقيقة. فمن ناحية، قد تُعد هذه المنشآت أهدافًا عسكرية إذا ثبت استخدامها في دعم العمليات العسكرية. غير أن هذا التكييف يظل مشروطًا بتحقق ميزة عسكرية أكيدة ومباشرة، وهو شرط يثير الشك إذا كانت النتيجة المحتملة للهجوم لا تتجاوز تعطيلا محدودًا أو مؤقتًا
لإمدادات الوقود.

ومن ناحية أخرى، فإن الآثار المترتبة على هذه الهجمات من حرائق واسعة النطاق وانبعاثات كثيفة وتلوث بيئي طويل الأمد امتدت إلى نطاق مدني واسع، خاصة في منطقة حضرية مكتظة
بالسكان. وقد ساهمت الخصائص الجغرافية للمدينة، بوصفها واقعة على هضبة تحيط بها الجبال، في احتباس الدخان وتفاقم آثاره، بما أدى إلى تفاقم الأضرار الصحية والبيئية وظهور ظواهر مناخية ملوثة أثّرت على الحياة اليومية للسكان.

وفي ضوء ذلك، يثور تساؤل جدي حول مدى احترام مبدأ التناسب، إذ يبدو أن الأضرار المدنية
والبيئية كانت واسعة النطاق وطويلة الأمد، بما قد يجعلها مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة. كما أن وضوح هذه الآثار واتساع نطاقها يشير إلى أن تأثيرها على السكان المدنيين لم يكن عرضيًا بحتًا، بل كان متوقعًا بدرجة كبيرة، الأمر الذي قد يُفسَّر على أنه استخدام غير مباشر للضغط النفسي على السكان، وهو ما يندرج ضمن نطاق الحظر الصريح لنشر الرعب بين المدنيين.

وعند إجراء مقارنة هذه القواعد مع النزاع المسلح في السودان، لا سيما بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المتمردة ، يتبين أن التحديات المرتبطة بتطبيق مبادئ القانون الدولي الإنساني تتشابه في جوهرها، إلا أن أنماط السلوك القتالي تختلف في بعض جوانبها. ففي حين تُثار في الحالة الإيرانية إشكالية استهداف الأعيان ذات الاستخدام المزدوج وما يترتب عليها من آثار بيئية ونفسية واسعة.

تشير العديد من الوقائع المرتبطة بالنزاع في السودان إلى أن قوات الدعم السريع، بوصفها قوة متمردة، قد انخرطت في استهداف الأعيان المدنية داخل مناطق حضرية، بما في ذلك القصف أو الهجمات التي طالت مرافق مدنية، الأمر الذي يثير شبهة انتهاك مبدأي التمييز والتناسب، بل وإمكانية انطباق حظر بث الرعب بين السكان المدنيين، وهو الحظر الذي يسري أيضًا على النزاعات غير الدولية بموجب المادة (13/2) من البروتوكول الإضافي الثاني والقانون الدولي العرفي. وفي المقابل، يُطرح في هذا السياق تمييز في تقييم السلوك بين أطراف النزاع، حيث تُنسب هذه الأنماط من الاستهداف بصورة أساسية إلى قوات الدعم السريع، وليس إلى القوات المسلحة السودانية، وفقًا لهذا الطرح، مع بقاء التقييم القانوني النهائي رهينًا
بالتحقق من الوقائع في كل حالة على حدة وفقًا لمعايير القانون الدولي الإنساني.
وفي المحصلة، يكشف تحليل هذه الوقائع عن أن تقييم مشروعية الهجمات على الأعيان ذات
الاستخدام المزدوج يظل رهينًا بمدى الالتزام بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، التي تفرض قيودًا صارمة على استخدام القوة، حتى في ظل الضرورات العسكرية. ورغم عدم انضمام إسرائيل وإيران إلى البروتوكولات الإضافية، فإن القواعد الجوهرية، وعلى رأسها التمييز
والتناسب وحظر بث الرعب بين السكان المدنيين، تظل واجبة التطبيق بوصفها قواعد عرفية، تسري في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء، الأمر الذي يجعل أي إخلال بها محل مساءلة قانونية دولية، ويستدعي تقييمًا دقيقًا يوازن بين الاعتبارات العسكرية والإنسانية.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة