ليس كافياً أن نسمّي ما يحدث في غزة “هندسةً للمأساة”، لأن هذا الوصف، على دقته، يبقى أسير البنية الظاهرة للفعل، ولا ينفذ تماماً إلى جوهره العميق. ما يجري هناك يتجاوز الهندسة بوصفها تخطيطاً للألم، إلى ما يمكن تسميته بـ”إدارة العدم”: حيث لا يُنتج الموت فقط، بل يُعاد تعريف الحياة نفسها بوصفها حالة مؤجلة من الفناء.
في النص الذي بين أيدينا، ثمة وعيٌ حادّ بطبيعة التدرّج في إنتاج المعاناة، وكأنّ الألم لم يعد نتيجة عرضية للحرب، بل صار غايتها المؤجَّلة. غير أنّ الأعمق من ذلك هو أنّ هذه السياسة لا تستهدف الجسد وحده، بل تستهدف المعنى الذي يمنح هذا الجسد سبباً للاستمرار. فحين يُترك الإنسان بين حدّين: لا هو حيٌّ بما يكفي ليحيا، ولا ميتٌ بما يكفي ليستريح، فإننا لا نكون أمام “مأساة”، بل أمام تفكيكٍ منهجي لفكرة الوجود نفسها.
إنّ أخطر ما في هذا المشهد ليس التجويع، ولا الحصار، ولا حتى القصف المؤجَّل، بل هذا الشكل من “التعليق الوجودي”، حيث يُعاد إنتاج الإنسان بوصفه كائناً عالقاً في زمنٍ بلا أفق. هنا، لا تعود الحرب حدثاً زمنياً له بداية ونهاية، بل تتحول إلى بنيةٍ دائمة، إلى حالةٍ مستمرة من الاستنزاف الرمزي والمادي معاً.
وإذا كان المقال الأصلي قد أشار إلى “إدارة الألم”، فإنّ ما ينبغي قوله هو أنّنا أمام “عقلنة القسوة”، حيث تُمارس السلطة العنف لا بوصفه انفجاراً، بل بوصفه نظاماً دقيقاً، قابلاً للقياس، والتعديل، والتطوير. إنّ تقليص عدد الشاحنات، وتعطيل المعابر، وإعادة تعريف التهدئة، ليست مجرد أدوات ضغط، بل هي أجزاء من منظومة معرفية تعيد صياغة العلاقة بين القوة والضعف، بين السيد والضحية.
في هذا السياق، لا يعود “الخط الأصفر” مجرد توسّع جغرافي، بل يتحول إلى استعارةٍ مكثفة لزحف المعنى ذاته. الأرض لا تُقضم فقط، بل يُقضم معها الإدراك الجمعي بإمكانية الاستعادة. إنّ أخطر الاحتلالات ليست تلك التي تستولي على المكان، بل تلك التي تُعيد تشكيل الوعي بحيث يبدو الفقدان قدراً، لا فعلاً سياسياً قابلاً للمقاومة.
أما عن المساعدات الإنسانية، فإنّ وصفها بـ”التلاعب” لا يكفي. نحن أمام إعادة تعريف للإنسان بوصفه كائناً إغاثياً، أي كائناً لا يُعرّف بحقوقه، بل بحاجاته. وهنا يكمن التحول الأخطر: من إنسانٍ يطالب بحريته، إلى إنسانٍ ينتظر حصته من البقاء. هذا التحول ليس عرضياً، بل هو جزء من هندسة أعمق: تحويل القضية من سؤال سياسي إلى مسألة إنسانية، ومن صراعٍ على السيادة إلى أزمة إغاثة.
وفي معبر رفح، حيث يُفترض أن يكون الحدّ الأدنى من التنفّس، نرى كيف يُعاد تعريف “المنفذ” بوصفه امتداداً للحصار. إنّ إغلاق المعبر لا يعني فقط منع الحركة، بل يعني تثبيت الجسد في مكانه، وتحويله إلى شاهدٍ دائم على عجزه. الجرحى الذين لا يغادرون، والمرضى الذين ينتظرون، ليسوا فقط ضحايا إهمال، بل هم عناصر في مشهدٍ أكبر: مشهد إبطاء الموت، لا منعه.
أما المخيمات، فهي ليست مجرد فضاءاتٍ للجوء، بل مختبراتٌ لإعادة تشكيل الإنسان في شروطه الدنيا. حين تتآكل الخصوصية، وتنهار شروط النظافة، وتنتشر الأمراض، فإنّ المسألة لا تتعلق فقط بسوء الظروف، بل بإعادة تعريف ما هو “مقبول” من الحياة. وهنا تكمن الكارثة: حين يصبح الحد الأدنى هو السقف، وحين يُعاد تكييف الإنسان مع ما لا يُطاق.
ومع ذلك، فإنّ العبارة الأخيرة في النص الأصلي تفتح أفقاً مختلفاً: “يئن الناس… لكنهم لا ينكسرون”. غير أنّ هذا الصمود، في قراءته الأعمق، ليس مجرد قدرة على التحمل، بل هو فعل مقاومة للمعنى ذاته. إنهم لا يقاومون الموت فقط، بل يقاومون إعادة تعريفهم ككائنات قابلة للإدارة.
غزة، في هذا السياق، ليست مجرد مكانٍ تحت الحصار، بل هي مرآةٌ كاشفة لنظامٍ عالمي يعيد صياغة العلاقة بين القوة والحياة. ما يحدث هناك ليس استثناءً، بل هو نموذجٌ مكثّف لما يمكن أن تصبح عليه الحروب في عصر ما بعد الأخلاق: حروبٌ لا تقتل بسرعة، بل تُبقي على الضحية حيّةً بما يكفي لتشهد على عجزها.
من هنا، فإنّ تجاوز “هندسة المأساة” نحو “إدارة العدم” ليس ترفاً لغوياً، بل ضرورة معرفية لفهم ما يجري. لأنّ ما لا يُفهم في عمقه، لا يمكن مقاومته في واقعه. وغزة، في صمتها الصاخب، تقول أكثر مما يُكتب: إنّ الإنسان، حتى وهو على حافة العدم، لا يزال قادراً على أن يكون معنى.
من “هندسة المأساة” إلى “إدارة العدم”: حين يتحوّل الألم إلى نظامٍ كونيّ لإعادة تعريف الإنسان الدكتور رائد ناجي


