30.4 C
Khartoum
الثلاثاء, أبريل 28, 2026

محجوب أبوالقاسم يكتب …قرارات تجلد المواطن

إقرأ ايضا

لم يكد المواطن يلتقط أنفاسه من صدمة صباح السبت المشؤوم الخامس عشر من أبريل حتى وجد نفسه غارقا في دوامة من الألم المركب ألم الحرب وألم الفقد وألم التشريد الذي اقتلع الملايين من جذورهم ودفع بهم إلى منافي قسرية داخل الوطن وخارجه ثلاث سنوات عجاف حفرت في الذاكرة صورا لا تمحى من الانتهاكات والنهب والاغتصاب والترويع حتى بات الأمن نفسه حلما مؤجلا.

في تلك العتمة برزت تضحيات القوات المسلحة والمنظومة الأمنية التي خاضت معركة بقاء أعادت شيئا من التوازن وأيقظت في النفوس بارقة أمل بأن الدولة لا تزال قائمة وأن الوطن يمكن أن يستعاد من براثن الفوضى ومع ذلك الأمل عاد المواطن أو قرر العودةحاملا ما تبقى من حلم ليبدأ من الصفر أو ما دونه.

غير أن الصدمة هذه المرة لم تأتي من رصاص أو مليشيا بل من قرارات حكومية يفترض أنها صادرة لحماية الاقتصاد فإذا بها تتحول إلى سياط تجلد بها ظهور المنهكين أصلا،منذ اللحظة الأولى لعبور العائدين إلى أرض الوطن بدأت المعاناة برسوم مفروضة على المعابر في مشهد بدا وكأنه عقوبة على العودة لا تشجيعا لها ، ورغم تدخلات من رئيس الوزراء ألغت تلك الرسوم فإن المفارقة الصادمة جاءت لاحقا بقرارات أشد قسوة أعادت إنتاج الأزمة بصيغة أكثر إيلاما.

لا يختلف اثنان على ضرورة إصلاح الاقتصاد ولا على أهمية ترشيد استخدام النقد الأجنبي في ظل أزمة طاحنة تعصف بالبلاد لكن الإصلاح حين يصاغ بقرارات معزولة عن واقع الناس يتحول إلى عبء إضافي لا إلى مخرج من الأزمة.

قرار حظر بعض السلع الذي اصدر باعتباره خطوة نحو ضبط الاستيراد لم يميز بدقة بين الكمالي والضروري فكيف تحظر مواد تمثل عماد الحياة اليومية للمواطن كيف يمنع استيراد سلع أساسية في وقت فقد فيه الناس كل شيءبيوتهم ممتلكاتهم وحتى أدوات معيشتهم،
لقد نهبت الحرب ما نهبت وأحرقت ما أحرقت حتى صار الاثاث رفاهية مفقودة ومع جشع بعض التجار وغياب الرقابة الفاعلة أصبح السوق المحلي عاجزا عن سد الفجوة لا من حيث الكمية ولا السعر فكيف يطلب من مواطن فقد كل شيء أن يعيد بناء حياته في ظل قرارات تضيق عليه سبل العيش؟

أما حظر سلع غذائية مثل البقوليات والأرز وبعض الفواكه فهو يطرح تساؤلات أكثر إلحاحا هل يملك الإنتاج المحلي القدرة على تغطية هذا النقص وإن لم يكن فمن أين سيأكل الناس إن الأمن الغذائي لا يدار بالشعارات بل بحسابات دقيقة توازن بين المتاح والمطلوب.

المفارقة المؤلمة أن المواطن الذي صبر على ويلات الحرب وعاد ليبني وطنه من جديد يجد نفسه اليوم في مواجهة سياسات قد تدفعه إلى الهجرة مجددا أو إلى العجز عن تلبية أبسط احتياجاته وهنا تتحول الأزمة من اقتصادية إلى أزمة ثقة.

سيدي رئيس الوزراء إن التراجع عن القرار الخاطئ ليس ضعفا بل شجاعة تحسب لصاحبها فالمواطن الذي وضع ثقته في حكومته ينتظر منها أن تنحاز إليه لا أن تثقل كاهله، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من حماية الإنسان لا من التضحية به.

إن البلاد بحاجة إلى سياسات اقتصادية ذكية تشرك الخبراء وتستند إلى واقع السوق وتضع المواطن في قلب المعادلة لا على هامشها فالدول لا تبنى فقط بالموازنات بل بثقة شعوبها.

اليوم يقف المواطن عند مفترق طرق بين أمل يتلاشى وواقع يزداد قسوة فهل تعيد الحكومة ترتيب أولوياتها وتراجع قراراتها قبل أن تتسع الفجوة؟ أم تترك الأمور تمضي نحو مزيد من الاحتقان؟

الإجابة ليست ترف بل ضرورة عاجلة.
ننتظر قرارا عاجلا من رئيس الوزراء لإعادة الأمور إلى نصابها.

اللهم هل بلغت اللهم فاشهد

ولنا عودة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة