يطل علينا أسبوع المرور العربي هذا العام حاملاً شعاراً يختزل فلسفة السلامة في كلمات معدودة: “التزامك بالنظام.. دليل وعيك”. هذا الشعار ليس مجرد جملة إنشائية تُزين اللافتات، بل هو نداء استغاثة وصرخة وعي في وجه نزيف الأرواح والموارد الذي ينهش جسد مجتمعاتنا العربية.
إننا اليوم أمام أرقام صادمة لا تحتمل التأويل؛ فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تفتك حوادث الطرق بقرابة 1.3 مليون شخص سنوياً، بينما يصاب الملايين بعاهات مستديمة. والكارثة الأكبر تكمن في أن هذه الحوادث هي القاتل الأول للشباب في مقتبل العمر (15-29 سنة). وفي عالمنا العربي، تشير الإحصاءات إلى خسائر مادية فادحة تتجاوز 25 مليار دولار سنوياً، والأدهى من ذلك أن العنصر البشري مسؤول عن أكثر من 96% من هذه الحوادث.
بالنظر إلى واقع المرور الداخلي في السودان، نجد أن التحدي يتضاعف. ففي ظل الظروف الراهنة والضغوطات التي تشهدها البلاد، تبرز الحاجة الماسة لتعزيز ثقافة “القيادة الوقائية”. إن الانضباط المروري في الشارع السوداني اليوم ليس مجرد قانون يُطبق، بل هو صمام أمان للحفاظ على ما تبقى من موارد بشرية ومادية.
إن التزام السائق السوداني بالنظام، رغم تحديات البنية التحتية، يجسد قمة الوعي والمسؤولية الوطنية. فكل حادث مروري يقع في الداخل هو استنزاف لطاقات الوطن التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى لإعادة البناء والاستقرار.
وعلى صعيد المرور الدولي، تبرز حركة السير والتبادل التجاري بين السودان ومصر كنموذج حي لأهمية التنسيق المروري العابر للحدود. إن الطرق الدولية التي تربط بين البلدين الشقيقين تشهد حركة دؤوبة للشاحنات والمسافرين، مما يفرض مسؤولية إضافية على السائقين الدوليين، تشمل الالتزام بمعايير الحمولة، والسرعات المقررة، وفترات الراحة للسائقين هو الضامن الوحيد لاستمرار هذا الشريان الاقتصادي، وأن تتوحد الجهود الإرشادية لضمان أن السائق يتلقى نفس رسائل التوعية سواء كان في القاهرة أو الخرطوم، مما يعزز من انسيابية الحركة وأمانها.
إن السلامة المرورية ليست مسؤولية أجهزة الشرطة وحدها، بل هي عقد اجتماعي تشاركي. فمهارة السائق الحقيقية لا تقاس بمدى سرعته، بل بقدرته على تلافي أخطاء الآخرين وضبط النفس. السلوك خلف المقود هو “مرآة للشخصية”، وتعليم الأطفال احترام إشارة المرور هو غرس لقيمة “احترام القانون” في نفوسهم منذ الصغر.
“لنكن قدوة ومثالاً يحتذى به”؛ فالالتزام بالنظام ليس قيوداً تُفرض علينا، بل هو السياج الذي يحمي أرواحنا وأرواح من نحب.
في أسبوع المرور العربي، دعونا لا نكتفي بالشعارات. لنجعل من “الالتزام بالنظام” ثقافة يومية، ولنتذكر أن كل ثانية تأخير في الوصول بسبب الالتزام بالسرعة، هي في الحقيقة فرصة جديدة للحياة. إن الحفاظ على سلامة الطرق في السودان، وتعزيز أمن الطرق الدولية مع جيراننا، هو استثمار في الإنسان أولاً وأخيراً.
هل أنت مستعد لتكون “القدوة” اليوم في طريقك؟
Ghariba2013@gmail.com


