43.6 C
Khartoum
السبت, مايو 23, 2026

حين تُسجن الكلمات: لماذا تخسر الأوطان معاركها ضد الصحافة؟ كتبت: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

ليست أزمة الصحافة في السودان اليوم مجرد خلافات متكررة بين كاتبٍ وسلطة، أو بين منصة نشر ومؤسسة رسمية؛ بل هي سؤال أكبر يتعلق بشكل الدولة التي نريدها، وحدود المساحة المسموح فيها للمواطن بأن يرى ويسأل ويحاسب. ففي كل مرة تُقاد فيها الكلمة إلى قاعة الاتهام، لا يقف الصحفي وحده في مواجهة الحكم، بل تقف معه فكرة الحق في المعرفة ذاتها.

الحكم الصادر بحق الصحفية رشان أوشي لا يمكن النظر إليه باعتباره واقعة قانونية معزولة عن سياقها العام. فالقضية تتجاوز شخص الصحفية، وتتجاوز حتى المادة المنشورة نفسها، لتلامس نقطة شديدة الحساسية في علاقة السلطة بالمجال العام: هل يُنظر إلى الصحافة بوصفها شريكًا في حماية المجتمع، أم باعتبارها مصدر إزعاج ينبغي تأديبه كلما اقترب من المناطق الشائكة؟

المشكلة الحقيقية لا تبدأ حين يخطئ الصحفي، فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية والمهنية، ويمكن تصويبها عبر القانون، والحق في التقاضي، والرد، والتعويض. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العقوبة إلى أداة ردع نفسي جماعي، تُرسل رسالة صامتة إلى كل من يعمل في الحقل الإعلامي مفادها: “اقتربوا من الملفات الحساسة… لكن بحذر يكفي لإطفاء الحقيقة.”

ولهذا، فإن سجن الصحفيين في قضايا النشر يبدو دائمًا وكأنه انتصار مؤقت للسلطة في القضايا التي تكون فيها السلطة طرفاً ، لكنه، في المدى الأبعد، خسارة للدولة نفسها. لأن الدولة التي تُرهق صحافتها بالخوف، تُفقد نفسها واحدة من أهم وسائل الإنذار المبكر ضد الفساد والانهيار وسوء الإدارة. فالصحافة ليست ترفًا سياسيًا يُمنح عند الرخاء ويُسحب عند التوتر، بل هي جزء من جهاز المناعة الوطني؛ كلما ضعفت، تمددت العتمة داخل المؤسسات.

وفي المقابل، لا يمكن للصحافة أن تطالب بالحماية وهي تتجرد من مسؤوليتها الأخلاقية. فحرية النشر ليست امتيازًا بلا ضوابط، بل مسؤولية ثقيلة تستوجب الدقة، والإنصاف، والتحقق الصارم، خصوصًا في القضايا التي تمس السمعة العامة والاتهامات المباشرة. إن قوة الصحفي لا تأتي من ارتفاع صوته، بل من صلابة ما يستند إليه.

غير أن العدالة الحديثة لا تُبنى على الانتقام من الخطأ، بل على تصحيحه بأقل قدر من الضرر على الحريات العامة. ولهذا اتجهت معظم البيئات القانونية المعاصرة إلى تضييق مساحة العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والنشر، لأن المجتمعات لا تتطور تحت سقف الخوف، ولا تُدار العقول بالأحكام المشددة.

السودان، وهو يعبر واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا، يحتاج إلى صحافة أكثر مهنية بلا شك، لكنه يحتاج كذلك إلى دولة أكثر ثقة في قدرتها على احتمال النقد. فالمجتمعات التي تُحاصر الأسئلة، تنتهي غالبًا إلى صناعة انفجارات أكبر من أن تحتويها المحاكم.

ومع انتقال قضية رشان أوشي إلى مرحلة الاستئناف، يبقى الأمل في أن تنتصر الحكمة على الانفعال، وأن يُفتح باب مراجعة أوسع للعلاقة بين التشريعات المعلوماتية وحرية التعبير، بما يضمن حماية الأفراد من التشهير، دون تحويل القانون إلى جدار مرتفع يُحاصر الكلمة.

لأن الأوطان التي تخاف من الصحافة… تنتهي غالبًا إلى الخوف من الحقيقة نفسها.

#كلنا_رشان_أوشي

#معًا_من_أجل_ممارسة_صحفية_حرة

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة