لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة داخلية بين جنرالين يتنازعان السلطة، لكنها تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع المصالح فوق جثث الأبرياء، وتُدار المعارك بأموال الخارج ومرتزقته وأجنداته الخفية.
التقرير الأخير الصادر عن منظمة “هيومان رايتس ووتش” لم يكن مجرد وثيقة حقوقية عابرة، لكنه كان بمثابة قنبلة سياسية وأخلاقية هزّت الرأي العام، بعدما كشف تفاصيل خطيرة حول استقدام مقاتلين أجانب من كولومبيا، تم تدريبهم داخل الإمارات، ثم إرسالهم إلى السودان للمشاركة في حرب أحرقت الأخضر واليابس.
وفي قلب هذه الاتهامات برز اسم أحمد محمد الحميري، الأمين العام لديوان الرئاسة الإماراتي، باعتباره الشخصية المرتبطة بالشركة الأمنية التي أدارت هذا الملف الخطير. وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً: كيف تحولت دولة تدّعي دعم الاستقرار إلى منصة لتصدير النار والدمار إلى السودان؟
ما يحدث ليس مجرد دعم سياسي لطرف على حساب آخر، هو مشروع متكامل لإطالة أمد الحرب، وكسر إرادة الدولة السودانية، وتحويل السودان إلى ساحة نزيف دائم. فكل رصاصة يطلقها مرتزق أجنبي تعني طفلاً سودانياً يُقتل، وأماً تُفجع، ومدينة تُدمّر، ومستقبلاً يُسرق من شعب بأكمله.
لقد ظن البعض أن المال يمكنه شراء النصر، وأن المرتزقة قادرون على صناعة واقع جديد بقوة السلاح، لكن التاريخ أثبت أن الشعوب لا تُهزم إلى الأبد، وأن الدماء حين تتراكم تتحول إلى لعنة تطارد المتورطين مهما طال الزمن.
السودانيون اليوم لا يواجهون مجرد تمرد مسلح، بل يواجهون شبكة معقدة من المصالح الدولية التي وجدت في انهيار السودان فرصة ذهبية لإعادة رسم الخرائط والسيطرة على الثروات والموانئ والموقع الجغرافي الحساس.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في المشهد ليس هو حجم التدخل الخارجي، لكنه حالة الصمت الدولي المريب. فالعالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية يقف متفرجاً أمام واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في العصر الحديث، بينما تُقصف المدن، وتُغتصب النساء، ويُهجّر الملايين، وتُباد القرى بلا رحمة.
إن السودان لن ينسى من أشعل الحرب فيه، ولن يغفر لمن موّل القتل أو تاجر بدماء أبنائه. فالتاريخ لا يرحم، والعدالة وإن تأخرت لا تموت، وكل الذين ظنوا أن الخراب يمكن أن يصبح استثماراً سيكتشفون يوماً أن أوطان الشعوب ليست للبيع، وأن السودان رغم جراحه قادر على النهوض من تحت الركام.
مسارات.. د.نجلاء حسين المكابرابي … من أبوظبي إلى دارفور.. من يزرع الموت في السودان؟


