في زمن تتسارع فيه حركة التجارة العالمية وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية، باتت الأسواق السودانية تعتمد اعتمادًا شبه كلي على البضائع الصينية، التي تتدفق يوميًا عبر المنافذ التجارية لتغزو البيوت والمتاجر والمصانع، من الأجهزة الإلكترونية والمعدات الصناعية إلى مواد البناء والملابس وقطع الغيار، بل وحتى أبسط السلع الاستهلاكية. غير أن هذا الواقع، الذي جعل من الصين الشريك التجاري الأول بلا منازع، يصطدم بمفارقة مؤلمة: غياب تام لأي بنك صيني ذي حضور مباشر داخل السودان. فكيف يمكن لقوة اقتصادية عظمى أن تملأ الأسواق بمنتجاتها، بينما تغيب مؤسساتها المالية عن تسهيل حركة الأموال التي تمول تلك المنتجات بالذات؟
يكشف مختصون في الاقتصاد أن العلاقة التجارية بين السودان والصين تجاوزت منذ زمن طويل مرحلة التبادل العابر، لتصبح الصين هي العمود الفقري الفعلي لحركة الاستيراد والتوريد في البلاد، حيث لا تكاد تخلو سلعة استراتيجية أو استهلاكية من منشأ صيني. لكن هذا العمود الفقري يظل مشدودًا بأعصاب مالية مرهقة، ذلك أن غياب البنك الصيني يجبر المستوردين والتجار على اللجوء إلى وسائط مصرفية معقدة ومكلفة، مما يحوّل التحويلات والاعتمادات البنكية إلى متاهة من الرسوم والانتظار، ويثقل كاهل الأسواق بأعباء إضافية تنعكس في النهاية على جيب المواطن.
إن وجود بنك صيني واحد فقط في قلب الخرطوم، كما هو الحال في العديد من العواصم الأفريقية والعربية، ليس مجرد خيار مصرفي إضافي، بل هو حاجة ملحة كالحاجة إلى الهواء لاستمرار نبض التجارة. فالخبراء الماليون يؤكدون أن مثل هذا البنك يمكنه أن يختصر الزمن من أسابيع إلى أيام، ويخفض التكاليف بنسبة تصل إلى الثلث، ويقدّم تمويلًا مباشرًا للمستوردين دون الحاجة إلى وسطاء يلتهمون هامش الربح. والأكثر أهمية أن البنك الصيني سيوفّر بيئة آمنة ومرنة لتسوية المعاملات بعملة اليوان، بعيدًا عن تقلبات العملات الثالثة وتعقيدات التحويل عبر بنوك غير متخصصة.
صحيح أن المؤسسات المالية الكبرى تتردد في فتح فروع لها في أسواق جديدة، خوفًا من المخاطر وتعقيدات البيئة التشغيلية، لكن السودان يمتلك مقومات لا يمكن تجاهلها: سوق استهلاكية ضخمة تتجاوز أربعين مليون مستهلك، وموقع جغرافي يجعله بوابة للتجارة الإقليمية، وعلاقة سياسية واقتصادية متينة مع الصين تمتد لعقود. لذلك، فإن استمرار غياب البنك الصيني لم يعد مبررًا، بل بات تناقضًا صارخًا بين حجم التبادل التجاري وشح التمثيل المصرفي.
في الختام، إن كل يوم يمر على الأسواق السودانية دون وجود بنك صيني رسمي فيها هو يوم إضافي من الهدر المالي، وضريبة غير مرئية يدفعها المستهلك والتاجر على السواء. فتح هذا البنك ليس حلمًا مستحيلًا، بل خطوة ضرورية وجريئة من شأنها أن تحوّل علاقة التبعية التجارية إلى شراكة مصرفية متكافئة، تخدم الاقتصاد السوداني وتدعم استقرار الأسعار وتفتح باب التمويل للمشاريع الكبرى. إن الأسواق السودانية، التي تئن تحت وطأة تكاليف التحويل والتعقيدات المصرفية، تنادي اليوم بصوت واحد: بنك صيني الآن، قبل أن تذهب الفوائد التي نجنيها من هذه التجارة هباءً في متاهات الرسوم والوسطاء. هل يصغي القرار إلى هذا النداء قبل فوات الأوان؟


