44.2 C
Khartoum
الأحد, يونيو 21, 2026

مسارات … د.نجلاء حسين المكابرابي. … الطلاب السودانيون في مصر.. هل تضيع الأحلام بين القبول الجامعي وتعقيدات الإقامة؟

إقرأ ايضا

في الوقت الذي تفتح فيه الجامعات المصرية أبوابها أمام آلاف الطلاب السودانيين الباحثين عن فرصة لمواصلة تعليمهم في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادهم، تبرز إشكالية مؤرقة تهدد مستقبل الكثيرين منهم، تتمثل في صعوبة الحصول على الإقامة القانونية وما يترتب على ذلك من إجراءات قد تصل إلى الترحيل، الأمر الذي يضع هؤلاء الطلاب بين مطرقة الحرب وسندان التعقيدات الإدارية.

لقد دفعت الحرب في السودان أعداداً كبيرة من الأسر إلى البحث عن ملاذ آمن لأبنائها، وكان التعليم أحد أهم الأولويات. وبحكم العلاقات التاريخية والجغرافية والاجتماعية بين السودان ومصر، أصبحت الجامعات المصرية وجهة طبيعية للطلاب السودانيين الذين وجدوا فيها فرصة للاستمرار في مسيرتهم الأكاديمية وعدم الانقطاع عن الدراسة.

غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن قبول الطالب في الجامعة لا يعني بالضرورة استقرار وضعه القانوني. فالكثير من الطلاب يواجهون تحديات تتعلق بالحصول على الإقامة أو تجديدها، بينما يجد آخرون أنفسهم أمام إجراءات معقدة تفوق قدراتهم المالية والإدارية، مما يجعل مستقبلهم الدراسي مهدداً في أي لحظة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما جدوى قبول الطالب في مؤسسة أكاديمية إذا كانت البيئة القانونية والإدارية المحيطة به لا تضمن له الاستقرار اللازم لإكمال دراسته؟

إن العملية التعليمية هي منظومة متكاملة تبدأ بالقبول وتنتهي بالتخرج. وأي خلل في أحد مكونات هذه المنظومة ينعكس مباشرة على الطالب وعلى المؤسسة التعليمية نفسها. فالطالب الذي يعيش حالة من القلق المستمر بشأن إقامته أو احتمال ترحيله يصعب عليه التركيز على التحصيل العلمي أو المشاركة الفاعلة في الحياة الجامعية.

ولا يتعلق الأمر بمصلحة الطلاب وحدهم، لكن بصورة التعليم العالي أيضاً. فالجامعات التي تستقطب الطلاب الدوليين مطالبة بأن تكون جزءاً من منظومة داعمة تضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمكنهم من مواصلة تعليمهم بصورة طبيعية.

إن الظروف التي يمر بها السودان اليوم ليست ظروفاً اعتيادية، بل أزمة إنسانية ألقت بظلالها على ملايين المواطنين داخل البلاد وخارجها. ولذلك فإن التعامل مع الطلاب السودانيين يحتاج إلى مقاربة استثنائية تراعي أوضاعهم الخاصة، وتضع في الاعتبار أن كثيراً منهم لم يغادروا بلادهم بحثاً عن رفاهية أو امتيازات إضافية، وإنما هرباً من واقع فرضته الحرب وأجبرهم على إعادة رسم مسارات حياتهم.

إن الاستثمار في تعليم هؤلاء الشباب هو استثمار في مستقبل المنطقة كلها. فالطالب الذي يكمل تعليمه اليوم سيكون طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو باحثاً يساهم غداً في إعادة إعمار وطنه وخدمة مجتمعه. أما ضياع سنوات الدراسة بسبب عقبات إجرائية، هو ليس خسارة فردية لكنه خسارة لمجتمعات بأكملها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنسيق أكبر بين الجهات التعليمية والسلطات المختصة لوضع حلول عملية تضمن استقرار أوضاع الطلاب السودانيين، وتمنحهم فرصة حقيقية لإكمال تعليمهم بعيداً عن القلق والخوف من المجهول.

فالتعليم ليس مجرد خدمة تقدم، هو رسالة إنسانية وحضارية. وعندما يتعلق الأمر بطلاب أجبرتهم ظروف الحرب على مغادرة بلادهم، فإن حماية حقهم في التعليم تصبح مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إجراءً إدارياً.

ويبقى الأمل أن تنتصر الحكمة على التعقيد، وأن يجد الطلاب السودانيون في مصر بيئة أكاديمية مستقرة تمكنهم من مواصلة مشوارهم العلمي، لأن الأوطان التي دمرتها الحروب تحتاج إلى العلم أكثر من أي وقت مضى، وتحتاج إلى شباب متعلم يعود يوماً ليبني ما هدمته الصراعات.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة