مدني : عبق نيوز
رصد: محاسن عثمان نصر
لم يكن الملتقى التفاكري الأول لمكافحة المهددات الأمنية بمشروع الجزيرة اجتماعًا بروتوكوليًا عابرًا، بل بدا اعترافًا رسميًا بأن أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا يواجه أزمة بنيوية متفاقمة، وأن مرحلة التشخيص قد انتهت، فيما باتت الأنظار تتجه إلى اختبار التنفيذ على الأرض.
انعقدت أعمال الملتقى في موقعين؛ استضافت وحدة أمن المشروع بمدينة مارنجان الجلسة الأولى، فيما احتضنت إدارة المنطقة الزراعية بـ24 القرشي الجلسة الثانية، في مشهد عكس حجم التحديات التي تواجه المشروع. فقد جمع الملتقى ممثلين للقضاء والنيابة العامة ونقابة المحامين والأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية والمقاومة الشعبية وقيادات المزارعين تحت شعار “الأمن مسؤولية الجميع”، في دلالة واضحة على أن ما يواجهه المشروع تجاوز كونه قضية زراعية ليصبح قضية أمن اقتصادي وغذائي للدولة.
نزيف صامت يلتهم الأرض
في قلب الأزمة تتسارع ظاهرة تحويل الأراضي الزراعية إلى مساكن، وتفتيت الحيازات بالمخالفة للقانون، والتعدي على قنوات الري والمنشآت الحيوية.
ووصف المهندس عبدالمطلب محجوب أحمد هذه الظواهر بأنها أخطر المهددات التي تواجه المشروع، محذرًا من أن استمرارها سيؤدي إلى تقلص الرقعة الزراعية بصورة يصعب تداركها، داعيًا المزارعين إلى تسجيل حواشاتهم رسميًا لحماية حقوقهم ومنع النزاعات.
وفي السياق ذاته، كشف مدير إدارة الري المهندس محمد عثمان العوض عن ضخ نحو 21 مليون متر مكعب من المياه يوميًا عبر القنوات الرئيسية والفرعية، مشيرًا إلى استمرار برامج الصيانة والتأهيل لتحسين كفاءة الإمداد المائي، وهو رقم يعكس ضخامة البنية التحتية التي تتعرض بصورة متكررة للاعتداءات والتخريب.
سد الثغرات القانونية
الشق القانوني كان من أبرز محاور الملتقى، إذ أعلنت المستشار القانوني مولانا نازك عبدالعظيم علي صدور قرار من نقابة المحامين يمنع توثيق أي تنازل يؤدي إلى تفتيت الحيازة الزراعية، في خطوة تستهدف إغلاق واحدة من أهم الثغرات التي استغلت خلال السنوات الماضية.
من جانبه، دعا ممثل النقابة الأستاذ عبدالله الشيخ إلى إنشاء نيابة متخصصة بقضايا مشروع الجزيرة، بما يضمن سرعة الفصل في القضايا وتحقيق الردع القانوني.
وأعلن محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى عن خطة تشمل حملات ميدانية واسعة، وإنشاء نيابات متخصصة في جميع أقسام المشروع لملاحقة التعديات، مؤكدًا أن القانون يحظر تفتيت الحيازات الزراعية، وأن الالتزام بالدورة الزراعية يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على استدامة الإنتاج.
بدوره، أكد المستشار القانوني مولانا بدوي بابكر الفضل استعداد الإدارة القانونية لتوفير اللوائح والقوانين للمزارعين وتعزيز الوعي القانوني، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة المخالفات.
تحرك أمني واسع
وعلى المستوى الميداني، أعلن العميد حاتم البشير قرب انطلاق حملة واسعة لإزالة المخالفات والتعديات، مؤكدًا أن تطبيق القانون سيتم دون استثناء.
كما أوضح مدير وحدة أمن المشروع المقدم عثمان كرار أن السلطات ستكثف جهودها لحماية منشآت الري ومنع إقامة أي أنشطة غير مرخصة داخل حرم القنوات والمرافق الزراعية، مشددًا على أن حماية أصول المشروع أصبحت أولوية لا تحتمل التأجيل.
الشراكة أساس النجاح
ورغم التشديد على إنفاذ القانون، أجمع المشاركون على أن الحلول الأمنية وحدها لن تكون كافية.
وأكد محافظ المشروع أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقيام شراكة حقيقية بين الإدارة والمزارعين لحماية الموارد الاستراتيجية والتصدي للأنشطة غير القانونية، فيما اعتبر المسجل العام مولانا أبوبكر عثمان عبدالرحمن أن قيادات المزارعين تمثل خط الدفاع الأول ضد التعديات متى ما اضطلعت بدورها الكامل.
ودعا مدير الإدارة الزراعية المهندس علي أحمد إبراهيم إلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة الفنية والمزارعين داخل الحقول، واقترح تكوين غرف ميدانية على مستوى التفاتيش لمعالجة مشكلات الري أولًا بأول، بما يسهم في استقرار الإنتاج الزراعي والحيواني.
وفي المقابل، أعلنت قيادات المزارعين دعمها الكامل للإجراءات المرتقبة، مؤكدة استعدادها للمشاركة في حماية البنية التحتية وإنجاح الموسم الزراعي.
بين الوعود والاختبار
ورغم الزخم الذي صاحب الملتقى، فإن التجارب السابقة تفرض قدرًا من الحذر؛ فقد شهد المشروع خلال السنوات الماضية حملات وقرارات مماثلة، إلا أن التعديات استمرت بأشكال مختلفة.
ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذه المبادرات لن يكون في حجم التصريحات أو عدد المشاركين، وإنما في قدرة الدولة على تحويل التعهدات إلى إجراءات مستدامة، وإنشاء النيابات المتخصصة، وإنفاذ القانون بعدالة وحسم، واستعادة هيبة المشروع على أرض الواقع.
يبقى مشروع الجزيرة، بوصفه أحد أكبر المشروعات المروية في العالم وركيزة للأمن الغذائي السوداني، أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنتصر سيادة القانون وتحفظ الأرض والمياه للأجيال المقبلة، وإما أن تستمر التعديات في استنزاف مشروع ظل لعقود عنوانًا للإنتاج والاستقرار الاقتصادي.


