32.9 C
Khartoum
الثلاثاء, يوليو 28, 2026

السودان ينتظر من يفك طلاسم ثروته الزراعية ويخرجه من عنق الزجاجة الاقتصادية قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

بينما يسجل برميل النفط في السوق السودانية مليونا وسبعمئة ألف جنيه، أي ما يعادل نحو ثلاثمئة وأربعين دولاراً بسعر الصرف السائد، واضطرت الدول المستوردة إلى إعادة حسابات ميزانياتها تحت وطأة التوترات المسلحة في مضيق هرمز، يقف السودان على مفارقة تاريخية نادرة: فبينما تتضخم أسعار الذهب الأسود في الخارج، تظل ثروات الأرض السودانية في الداخل مسجونة في حسابات نظرية لم تُترجم بعد إلى واقع معاش. فإذا كان العائد النفطي للسعودية، التي تنتج عشرة ملايين برميل يومياً، قد قفز إلى أكثر من سبعمئة مليون دولار يومياً بسبب ارتفاع الأسعار، فإن الأراضي السودانية الصالحة للزراعة، البالغة 220 مليون فدان، تختزن دخلاً يومياً افتراضياً يصل إلى 990 مليون دولار، وذلك في حال زراعتها بالبرسيم فقط – نبات العلف الذي لا تتعدى قيمة الحوض الواحد منه ثلاثين جنيهاً، ولا يطلب من أرضه سوى الماء والهواء. وهذا الرقم، الذي يفوق دخل الإمارات والكويت مجتمعين، لا يعتمد على أنابيب بحرية مهددة بالقصف، ولا على صفقات أوبك المتقلبة، بل على دورة حياة نباتية تتجدد كل ثلاثين يوماً، وتستمر في إنتاجها لسنوات، محصنة بصلابة الجغرافيا لا بتقلبات السياسة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الزراعة لا تتوقف عند حد المحصول العلفي، بل تمتد إلى سلسلة إنتاجية هائلة تبدأ بالثروة الحيوانية التي يرعاها هذا البرسيم. فالسودان، الذي يمتلك 120 مليون رأس من الماشية ويحتل المرتبة السادسة عالمياً في هذا المضمار، يمكنه باستخدام عشرة في المئة فقط من إنتاج البرسيم كعلف مكثف أن يحول قطيعه إلى آلة تصدير لحوم لا تتوقف. فوفق معدلات التضاعف الطبيعية، ينمو القطيع بنسبة أربعمئة في المئة كل عامين، مما يتيح تسويق 120 مليون رأس سنوياً، أي نحو 328 ألف رأس يومياً، بمتوسط وزن مئتي كيلوغرام، وبسعر أربعة دولارات للكيلوغرام، محققاً عائداً يومياً يبلغ 263 مليون دولار، متجاوزاً بذلك الناتج النفطي لدولة كاملة مثل قطر. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يظل هذا الرقم حبيس الأوراق بينما يعاني المواطن من غلاء اللحوم والألبان؟ الجواب يكمن في الفجوة الإدارية الهائلة؛ ففي هولندا، بمليون بقرة فقط، تُنتج الدولة ثاني أكبر كمية ألبان في العالم، بينما تنتج البقرة السودانية في المتوسط خمسة كيلوغرامات من الحليب يومياً مقابل خمسة وثلاثين في هولندا، مما يعني أن الخلل ليس في عدد الرؤوس، بل في غياب سلاسل القيمة المضافة والتقنيات الحديثة.

وحين نغادر حقل البرسيم إلى بقية المدرجات الزراعية، نكتشف كنوزاً لا تقل أهمية، فالسودان يمتلك مخزوناً استراتيجياً من الصمغ العربي يسيطر على ما يقرب من ثمانين في المئة من السوق العالمية، ويستعمل في الصناعات الغذائية والدوائية والطباعية، ومع ذلك يُصدر في الغالب كمادة خام تُباع بثمن بخس، بينما يمكن إنشاء مصانع متخصصة لاستخلاص مشتقاته عالية النقاء وبيعها بأسعار مضاعفة. وكذلك الحال مع القطن السوداني، ذلك الذهب الأبيض الذي اشتهرت به بورسودان، والذي يمكن أن ينهض بصناعة نسيج متكاملة بدلاً من تصدير الشعر الخام، إضافة إلى القمح الذي يمكن لسهول الجزيرة أن تنتج منه ما يكفي لتحقيق الأمن الغذائي وتوفير مليارات الدولارات كانت تذهب للاستيراد، والخضروات والفواكه التي تذبل في الأسواق المحلية بسبب غياب التبريد والتغليف الحديثين. ولا ننسى زراعة الذرة الرفيعة والقمح، والتمور التي تزخر بها واحات الشمال، وثمار الغنغليز والعرديب والدوم والكركدي التي يمكن تحويلها إلى منتجات غذائية وصناعية، وكلها تنتظر أيادٍ تحولها من مادة أولية إلى سلع مصنعة ومعبأة تحمل علامات تجارية عالمية.

إن التحول الجوهري الذي يحتاجه السودان اليوم لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يتجاوزه إلى إقامة مدن صناعية زراعية في كل ولاية، تكون مهمتها تعليب التمور، وتكرير الصمغ، وطحن الحبوب، واستخلاص الزيوت من البذور، وتصنيع الأعلاف المركزة، وتعقيم وتغليف الخضروات والفواكه للتصدير. كما أن النباتات الطبية والعطرية – كالكركديه والسنامكي والحلبة والنيّم والخروع – التي تنبت برياً أو تزرع بسهولة في تربة السودان، يمكن أن تصبح مصدر دخل إضافياً إذا ما تم إنشاء معامل لاستخلاص المواد الفعالة وتصنيع الأدوية والمستحضرات التجميلية، فالعالم يدفع المليارات مقابل هذه المستخلصات، بينما نبيعها نحن كأعشاب جافة في أكياس بالجملة. وبهذا المعيار، فإن الدخل المفترض للسودان، إذا ما استثمرنا عشرة في المئة فقط من مساحاته الزراعية المروية في هذه المنتجات المصنعة، سيتجاوز عائدات النفط الخليجية مجتمعة، ليس لأن الأرض تمنح أكثر، بل لأن التصنيع يضاعف قيمة المحصول من عشرة إلى مئة ضعف.

أما الحل العملي لتحقيق هذه النهضة، فيتلخص في إعادة هيكلة السياسات المالية والزراعية بجرأة، من خلال إنشاء هيئة وطنية للاستثمار الزراعي الصناعي تمنح حوافز ضريبية وجمركية للمستثمرين في التصنيع الغذائي والتعبئة، وتسهيل منح القروض الزراعية الصغيرة والمتوسطة للمزارعين، مع اعتماد نظم الري الحديثة والطاقة الشمسية لتقليل التكاليف، وبناء صوامع وثلاجات عملاقة في المراكز الإقليمية لتقليل الفاقد الذي يتجاوز الأربعين في المئة من الإنتاج بسبب سوء التخزين. والأهم من ذلك هو نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر البشرية في مجالات التلقيح الاصطناعي والتحسين الوراثي للمحاصيل والحيوانات، والاستفادة من الخبرات العالمية مثل النموذج الهولندي في الألبان و دول تستخدم الري بالتنقيط، وتطويعها للبيئة السودانية دون تكلفة باهظة. إن هذه الخطوات، وإن بدت طموحة، فإن تكلفتها الإجمالية لا تذكر مقارنة بما يهدر سنوياً على استيراد القمح والزيوت والألبان واللحوم، بل يمكن تمويلها جزئياً من خلال إعادة توجيه الدعم وتقنين الاستيراد تدريجياً.

في الختام، وبعد هذا العرض المتكامل للإمكانات والحلول، لا يسعني إلا أن أناشد صانعي القرار وعلى رأسهم السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والسيد رئيس مجلس الوزراء، ومعالي وزير المالية، ومعالي وزير الاستثمار، ومعالي وزير الزراعة والغابات، ومعالي وزير الصناعة والتجارة، وكافة ولاة الولايات – من ولاية نهر النيل إلى غرب دارفور – بأن يضعوا ملف التحول الزراعي الصناعي على رأس أولويات الأمن القومي، وأن يصدروا توجيهاً عاجلاً بتشكيل لجنة عليا تجتمع شهرياً لمتابعة إزالة العقبات أمام المستثمرين في هذا القطاع، وتذليل عقبات تسجيل الأراضي، وتوفير الطاقة والمياه للمناطق الصناعية الجديدة. فالسودان لا يحتاج إلى معجزة، بل يحتاج إلى وقفة جادة تعيد تدوير موارده بعقلية إدارية حديثة، وإلى قيادة تدرك أن الاكتفاء الذاتي لا يبنى على صواريخ الأعداء، بل على جذور البرسيم وحبات القمح وبذور الصمغ، وأن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض التي تختفي مع كل أزمة، بل في سطحها الذي يزهر كل صباح، وينتظر فقط من يقطفه بأيد أمينة، ويصنعه بعقول مبدعة، ويصدره بكرامة وطن لم يعد يرضى أن يكون سلة خام لغيره، بل مصنعاً متكاملاً لنفسه وللعالم.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة