39.1 C
Khartoum
الخميس, يوليو 16, 2026

السفير محمد الغزالي سراج يدفع بتوسع استثمارات “أليانس” الروسية في الذهب السوداني قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في مشهد دبلوماسي يعكس تحولاً في أولويات العمل الخارجي السوداني، برز سفير السودان لدى روسيا، محمد الغزالي سراج، كأحد أبرز السفراء الذين حملوا على عاتقهم مهمة الترويج للاستثمار في بلدهم، في وقت أصبح فيه جذب رؤوس الأموال الأجنبية مسألة وجود وليس رفاهية. فقد كشفت التطورات الأخيرة عن لقاء جمع السفير مع المدير التنفيذي لشركة “أليانس” (كوش) الروسية، ناقشا خلاله خطط الشركة للتوسع في أنشطة التنقيب عن الذهب وزيادة استثماراتها في السودان. هذا اللقاء لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل حمل دلالات أعمق حول الدور الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية السودانية في تحويل العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية ملموسة، خصوصاً في قطاع التعدين الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني في هذه المرحلة الدقيقة.

تعود جذور الشراكة السودانية الروسية في قطاع الذهب إلى أكثر من عقد من الزمن، حيث وقعت شركة الاستكشاف والإنتاج الروسية “كوش” اتفاقية استكشاف في عام 2013، حصلت بموجبها على ترخيص للعمل بالشراكة مع الحكومة السودانية، وأنشأت شركة إنتاج تابعة أطلقت عليها اسم “تحالف التعدين المحدودة” (أليانس). وتمتلك هذه الشركة 68% من المشروع الروسي–السوداني، بينما يمتلك السودان 25%، و7% تعود للقطاع الخاص. ومع مرور السنوات، تطورت هذه الشراكة لتشمل اتفاقيات إضافية، كان آخرها توقيع وزارة المعادن السودانية اتفاقية امتياز مع شركة “زاروبيج جيولوجيا” الروسية في مربع (NS-A-24) للبحث والاستكشاف عن الذهب، في خطوة اعتبرت تقدماً في التعاون بين البلدين بإضافة شركة روسية أخرى لشركة كوش.

ويأتي هذا التوسع في الاستثمارات الروسية في وقت يشهد فيه قطاع الذهب السوداني ازدهاراً لافتاً، رغم الظروف الاستثنائية للحرب التي تمر بها البلاد. فقد بلغ إنتاج السودان من الذهب في عام 2025 حوالي 70 طناً، وهو أعلى مستوى له في خمس سنوات، وتجاوزت عائدات الإنتاج والصادرات 1.8 مليار دولار أمريكي. وفي هذا السياق، أكد الجهاز القومي للاستثمار التزامه بتوفير بيئة استثمارية جاذبة وتقديم التسهيلات للمستثمرين، فيما أشاد السفير السوداني بنجاح الشركة، معتبراً أن توسع الاستثمارات الروسية يعزز التعاون الاقتصادي والعلاقات الثنائية بين الخرطوم وموسكو. إن هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية استثمار العلاقات الدبلوماسية في تحقيق منافع اقتصادية، خصوصاً في قطاع التعدين الذي يمتلك إمكانات هائلة غير مستغلة بالكامل.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرح نفسه: هل يمكن لهذه الجهود الفردية أن تحقق التحول المنشود في غياب إطار مؤسسي شامل للاستثمار؟ من المفترض أن ينتهج جميع السفراء السودانيين في الخارج النهج نفسه الذي ينهجه السفير الغزالي، وأن يكونوا في هذا الوضع الاستثنائي دعاة للاستثمار ومروجين له، لكن ذلك يتطلب تظافر الجهود الوطنية وتكامل الأدوار بين الدبلوماسية والجهات التنظيمية. وهنا تبرز فكرة تستحق الدراسة الجادة، وهي إنشاء المجلس الأعلى للتنمية والاستثمار (المعروف سابقاً بالمجلس القومي للاستثمار) على رئاسة رئيس مجلس السيادة، يكون أمينه العام وزير الاستثمار، يتولى مهمة رسم السياسات الاستثمارية الكبرى وإزالة العقبات البيروقراطية التي تعترض طريق المستثمرين. إن مثل هذا المجلس، إذا ما توفرت له الصلاحيات اللازمة، يمكن أن يشكل نقلة نوعية في بيئة الاستثمار السودانية.

إن الدعوة إلى تشكيل هذا المجلس الأعلى تأتي في سياق أوسع يهدف إلى منع تدخل الوسطاء والسماسرة، وقطع الطريق على عمولات غير مشروعة تثقل كاهل المستثمرين وتشوه صورة السودان الاستثمارية. كما تتطلب المرحلة الحالية إعادة النظر في قوانين الاستثمار لجعلها أكثر مرونة وتواكب هذا الوضع الاستثنائي للحرب، بحيث تكون قادرة على استيعاب المتغيرات السريعة وتقديم حوافز تنافسية تجعل السودان وجهة مفضلة للمستثمرين الدوليين. وتشير بعض المصادر إلى أن السودان كان يُصنف في المرتبة الثانية من بين أكثر الدول جذباً للاستثمار في إفريقيا، مما يعني أن هناك أرضية خصبة يمكن البناء عليها إذا ما توفرت الإرادة السياسية والآليات التنفيذية الفعالة.

غير أن قطاع التعدين وحده لا يكفي لاستنهاض الاقتصاد السوداني المتعطش للتنويع، فالسودان يمتلك من المقومات الزراعية والصناعية ما يجعله سلة غذاء إقليمية ومركزاً صناعياً واعداً، لو تم استغلاله بالشكل الأمثل. فالأراضي الخصبة تمتد على ملايين الهكتارات، والمياه الجوفية والسطحية تتوفر بوفرة، والمناخات المتنوعة تسمح بإنتاج محاصيل استراتيجية كالقمح والقطن والسمسم والفول السوداني، ناهيك عن الثروة الحيوانية الهائلة التي تؤهل السودان لأن يكون لاعباً رئيسياً في الأمن الغذائي العربي والإفريقي. وعلى الصعيد الصناعي، فإن السودان يزخر بثروات معدنية وطاقية، إضافة إلى قاعدة تصنيعية يمكن تطويرها في مجالات النسيج والدباغة وتصنيع الأغذية والمواد الإنشائية، وهي قطاعات تنتظر يداً استثمارية جريئة تؤمن بجدوى الاستثمار في بيئة تتمتع بموقع استراتيجي يربط وسط أفريقيا بالعالم العربي والبحر الأحمر. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط الترويج للذهب، بل رسم خريطة استثمارية شاملة يضطلع السفراء بدور محوري في الترويج لها، بحيث ينقل كل سفير إلى بلد اعتماده صورة متكاملة عن فرص الاستثمار الزراعي والصناعي، ويعقد الشراكات مع كبريات الشركات المتخصصة، ويستقطب رؤوس الأموال التي تبحث عن وجهات غير تقليدية تحقق عوائد مجزية. لقد آن الأوان أن تتحول السفارات السودانية إلى مكاتب تجارية ومراكز جذب للاستثمار، وأن يكون أداء السفراء مقترناً بمؤشرات أداء واضحة تعكس حجم الاستثمارات التي استقطبوها، لا سيما في القطاعين الزراعي والصناعي اللذين يمثلان العمود الفقري لأي تنمية مستدامة وأمن وطني حقيقي.

في الختام، يبقى المشهد الذي يجسده السفير محمد الغزالي سراج نموذجاً يحتذى به في توظيف الدبلوماسية لخدمة الاقتصاد الوطني، لكنه يظل جهداً فردياً ما لم يتحول إلى استراتيجية دولة متكاملة تشمل كل القطاعات الإنتاجية. إن إنشاء المجلس الأعلى للتنمية والاستثمار برئاسة رئيس مجلس السيادة، بعد أن كان المجلس القومي للاستثمار، ليس مجرد تغيير اسمي، بل هو ضرورة وطنية تتكاتف من أجلها جميع الجهود الرسمية والأهلية، لدفع عجلة التنمية والاستثمار إلى الأمام، وتحويل السودان من بلد غني بموارده إلى بلد يستثمر موارده لصالح شعبه. فالتحديات التي يواجهها السودان اليوم تتطلب حلولاً استثنائية، والاستثمار هو المفتاح الذي يمكن أن يفتح أبواب المستقبل، شريطة أن تكون القرارات حاسمة والإرادة صلبة والرؤية واضحة، وأن يمتد نطاق الترويج إلى كل ثروات السودان المهدورة، زراعياً وصناعياً، لينطلق الوطن نحو نهضة شاملة تعيد له مكانته التي يستحقها.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة