معلوم أن الإنسان يمكنه ان يكون مسلما، يتحقق ذلك إذا نطق بشهادة التوحيد وأقام أركان الإسلام بعد الاقتناع بها.
وكذلك يمكنه أن يكون مؤمنا، وذلك باليقين بأركان الايمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره وحلوه ومره، أن يقر بذلك باللسان وأن يعمل بالعقل والجسد والجوارح، وأن يؤدي أركان الإسلام الخمسة، فإذا ما قام بكل هذا في خشوع وخضوع؛ فإن الله سبحانه وتعالى إن شاء يجعله مؤمنا ويعينه على فعل الخير.
أما التقوى فإنها اسمى رتبة واعلى شأنا.
وقد أجاب الله على السؤال (كيف أكون تقيا) في ثنايا العديد من سور القرآن الكريم ومنها سورة البقرة، حيث قال جل في علاه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة 183
فالصوم من العبادات والطاعات التي تحقق التقوى…
في عز الحر وأنت صائم تشعر بالعطش وتشتهي الماء وهي أمامك وقد تكون باااردة، وتحين الصلاة فتدخل للوضوء في مكان مغلق لتدخل الماء إلى أقرب مسافة من البلعوم وليس بينك وبين شربه وتحقيق ما تشتهي سوى إرادة البلع، والتي لو فعلتها لن يعلم بها مخلوق ممن حولك، ولكنك لا تفعلها… لماذا؟! لأنك صائم.
ولكونك تعلم يقينا بأن الله يراك ومطلع على عملك ونيتك.
وكذلك زوجك في بيتك وبجوارك وهي (حلالك)، تمسك نفسك عنها وتمسك هي نفسها عنك خلال النهار صدعا بأمر الله، فتتقي الله وتنأيا بنفسيكما…
لعمري بذلك استحق الصيام التمييز بأن: (إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به)!، وذلك لكونه فيه النأي بالنفس عن ال(حلال) عوضا عن الحرام!!!.
وبذلك فإن الصيام يأتي بالتقوى… تعريف التقوى أنها تجعل بيننا وبين عذاب الله وقاية بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، والتأدب بما أدبنا الله به.
والصوام النائي بنفسه عن الرياء وال(واراءة الناس كونه صائم وان كان نفلا) أجده اصدق في تدينه، وأفضل في حسن التعامل مع الآخرين بأكثر من المعهود عنه أداء أي شعيرة أخرى حتى الصلاة، ولعلها قناعة شخصية لا ألزم بها سواي.
وأضيف واقول:
بجانب الصوم فإن العبادات كلها تقود إلى التقوى، قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}21 البقرة
فمما يسهم في سوق النفس وتهيئتها إلى التقوى الآتي:
1- أداء الصلوات الخمس في أوقاتها المفروضة دون تأخير.
2- أن يحرص المسلم على الطهارة بالوضوء وإن لم يكن الوقت وقت صلاة (ما أمكنه الله)، فإن لله نفحات تتغشى الطاهرين دون سواهم!.
3- الحرص على تلاوة القرآن، إذ القرآن يسهم في تهيئة النفس و(تليين) قناتها للطاعة، يقول تعالى:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر 23.
4- التصدق بنية تزكية النفس.
5- بر الوالدين.
6- صلة الرحم.
7- الحرص على الابتعاد عن التكبر وجعل حظ النفس هو الأغلب، فإن الله لايحب المتكبرين وأصحاب حظوظ النفس من الرياء فتجد همهم الأساس الحصول على الشكر واعلاء الشأن من الناس، فإن التقوى لاتوهب إلا للمخبتين حقا لله.
هذا مايحضرني الآن، وبالطبع هناك الكثير مما يعين السائر في مدارج السالكين إلى التقوى.
ولابأس من أن يستعين المسلم بشئ من الرقائق، وهي مقولات موجزة لبعض العلماء (الحكماء) من الجوامع الكوامل، وأنصح بمقولات إبن القيم رحمه الله، ومقولات الشافعي رحمه الله، وكذلك بما ورد في إحياء علوم الدين (المنقح) للغزالي رحمه الله، وكذلك ماورد عن الحسن البصري رحمه الله، وهنا قمن بي ان أنبه بأن يحرص الناس عند الأخذ من الحكم العطائية لأبي عطاء الله السكندري رحمه الله، ولكن لابأس من الأخذ ببعضها، فالرجل رحمه الله ممن يؤمنون بوحدة الوجود، وذلك اشتطاط مردود عليه رحمه الله.
وهناك بعض الشواهد والأدلة التي تشي وتبين للمسلم نجاحه في أمر مجاهدة نفسه وتهيئتها للتقوي ليوشك بأن يكون تقيا:
1-نجاعة الساعة البيولوجية في داخلك، ويتبين المسلم ذلك عندما يحس بموعد الأذان للصلوات قبيل رفعه بثوان، وقد يتجاوز الأمر ذلك فيشعر المسلم بقرب حدوث بعض الوقائع قبل حدوثها!، وليس في الأمر علم بالغيب، فالعالم بالغيب هو الله وحده، لكنه نور يلقيه الله في قلب وجدان المسلم ليبصر به.
2- حب سماع القرآن وتلاوته، فكلما تبين المسلم في نفسه بعض الضيق من ذلك؛ فليعلم يقينا بأنه يحتاج إلى مجاهدة لنفسه أكثر.
3- الأحلام والرؤى الَمنامية تكون أوضح في تفاصيلها، ويستطيع تفسيرها بنفسه دون عناء.
4- يجد نفسه أَمْيَلَ وأحب للذين ظاهرهم الخير والحرص على الطاعة من الناس، فالأرواح والقلوب في ذلك جنود مجندة كما ذكرت أمنا عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي روته عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
5- الذي ينجح في مجاهدة نفسه وأطرها إلى درب الطاعة، يكون قد سار حثيثا على مدارج السالكين إلى عوالم التقوى، وإن حرص على عدم الإنتصار لنفسه خلال حراكه مع الناس؛ يتبين نصر الله له في الكثير من المواقف الحياتية مع الناس مصداقا لقول الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} الحج 38.
اللهم اجعلنا ممن يكثر من الصيام والطاعة، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.
آمنت بالله.
adilassoom@gmail.com
كيف أكون تقيا؟! عادل عسوم


