38.6 C
Khartoum
الخميس, أغسطس 6, 2026

حين غادر المسرح خشبته.. كيف أصبح الفن سلاحاً في مواجهة خطاب الكراهية؟

إقرأ ايضا

ود مدني : عبق نبوز
محاسن عثمان نصر

قبل أن تنطفئ أضواء القاعة الدولية بجامعة الجزيرة بود مدني كان سؤال واحد يفرض نفسه على المشهد: هل يستطيع عرض مسرحي أن يغيّر طريقة الناس في النظر إلى بعضهم البعض؟ قد يبدو السؤال مثالياً، لكن ما جرى خلال فعاليات مهرجان التعايش السلمي ونبذ خطاب الكراهية منح الفن فرصة ليقدم إجابته الخاصة.
وقتها، لم يكن الجمهور يبحث عن الترفيه وحده، بل وجد نفسه أمام تجربة فنية جعلت المسرح مساحة للحوار المجتمعي. ومع كل مشهد، كانت الرسائل تتجه مباشرة إلى الوعي، مؤكدة أن مواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على القوانين واللوائح، وإنما تحتاج أيضاً إلى أدوات ثقافية قادرة على مخاطبة الإنسان بلغته ومشاعره.
وجاء عرض المسرح المتجول ليترجم هذه الفكرة عملياً. فهذا النمط المسرحي يقوم على كسر الحدود التقليدية بين الممثل والجمهور، والانتقال بالفن إلى حيث يوجد الناس، ليصبح أكثر قرباً من واقعهم وأكثر تأثيراً في حياتهم اليومية. إنها فلسفة ترى أن المسرح لا ينبغي أن يبقى حبيس القاعات المغلقة، بل أن يتحول إلى مساحة مفتوحة للنقاش والتوعية وبناء الثقة بين أفراد المجتمع.

ضمن هذا الإطار، وظّف مهرجان التعايش السلمي ونبذ خطاب الكراهية الفنون الأدائية باعتبارها شريكاً في ترسيخ قيم التسامح وقبول الآخر، ونشر ثقافة الحوار، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى مبادرات تعيد الاعتبار للكلمة المسؤولة، وتواجه خطابات التحريض والانقسام بوسائل أكثر قرباً من الناس.

وشارك في العرض الفنانون عزالدين كوجك، ومالك عبدالباقي، ونائلة عثمان، ومناهل عبدالله سعيد، الذين قدموا أداءً اتسم بالحيوية والتفاعل، واستطاعوا أن يحولوا النص المسرحي إلى تجربة إنسانية شارك فيها الجمهور بالتصفيق والتأمل والانفعال. ولم يكن النجاح في جودة الأداء وحدها، بل في قدرة العمل على إيصال رسائله بسلاسة، بعيداً عن المباشرة أو الوعظ.
ولأن المسرح المتجول يعتمد على الوصول إلى المجتمعات المحلية، فإنه يفتح المجال أمام فئات قد لا تتاح لها فرصة ارتياد المسارح التقليدية. وهنا تكمن قيمته الحقيقية؛ إذ يصبح الفن جزءاً من الحياة اليومية، وأداة لتعزيز التماسك الاجتماعي، وإحياء ثقافة الحوار، خاصة في البيئات التي تسعى إلى تجاوز آثار الأزمات والانقسامات.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرات حدود العرض المسرحي نفسه، فهي تؤكد أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً، بل ضرورة اجتماعية. فالفنون تمتلك قدرة فريدة على بناء الوعي، وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وترسيخ قيم السلام بصورة تتجاوز تأثير الخطب والشعارات.
ومع إسدال الستار، لم تنتهِ الحكاية. فقد بقيت الرسالة حاضرة في أذهان الحاضرين: أن السلام يبدأ من كلمة، وأن قبول الآخر يمكن أن يولد من مشهد مسرحي صادق، وأن الفن، حين يخرج من خشبته ليقترب من الناس، يصبح أكثر من عرضٍ عابر؛ يصبح جسراً يعبر عليه المجتمع نحو مستقبل يتسع للجميع.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة