في السياسة، كما في القانون، لا يجوز أن نحمل الكلمات أكثر مما تحتمل. فهناك فرق كبير بين عبارة تفتح باب الدراسة، وقرار ينشئ موقفا رسميا، وبين استماع المسؤول إلى مقترح وبين تبنيه فعليا.
هذه المسافة ليست لغوية فقط، بل هي جوهر من جواهر الدولة المؤسسية.
فعندما يقال إن موضوعا ما “سينظر فيه”، فهذا لا يعني أنه حسم، ولا أنه قبل، ولا أنه أصبح سياسة للدولة. المعنى الطبيعي لمثل هذه العبارة أن المقترح وضع أمام جهة الاختصاص، وأنه قد يخضع للدراسة والتقييم والمراجعة قبل اتخاذ أي موقف بشأنه.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحول العبارة إلى تفسير، ثم يتحول التفسير إلى موقف، ثم يقدم الموقف للرأي العام وكأنه قرار مكتمل الأركان.
وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد خلاف حول معنى جملة.
إنها قضية تتعلق بكيف تدار الدولة، وكيف تنقل قراراتها، وكيف يحفظ للرأي العام حقه في معرفة الفرق بين ما قيل فعلا وما استنتجه الآخرون.
في الدولة المؤسسية، للموافقة أدواتها الواضحة: قرار، أو توجيه، أو إعلان رسمي، أو إجراء تنتج عنه آثار قانونية وسياسية محددة.
أما الانطباعات، والروايات الشفهية، والاجتهادات الشخصية، فلا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن القرار الرسمي.
وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق الحديث بملفات قانونية وحقوق عامة وخاصة، وبلاغات، ودماء، وممتلكات، وانتهاكات خلفتها الحرب.
فالحقوق الخاصة لا يملكها السياسي حتى يتصرف فيها كيف يشاء، ولا يجوز أن تتحول إلى أوراق تفاوض ضمن ترتيبات سياسية. أما الحق العام فله مؤسساته وقوانينه وإجراءاته، ولا ينبغي أن يخضع لمزاج سياسي عابر أو لرغبة في تحقيق مكاسب آنية.
السودان اليوم يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية، ويحتاج إلى حوار واسع، ويحتاج إلى تسوية تنهي الانقسام وتعيد بناء الدولة.
لكن المصالحة التي تتجاوز العدالة لا تصنع سلاما راسخا.
والتسوية التي تتجاهل حقوق الضحايا لا تطوي صفحة الماضي، بل تؤجل انفجارها.
العدالة ليست خصما للسلام، بل أحد شروطه الأساسية.
ولهذا فإن أي مقترح يتصل بحقوق المواطنين أو بملفات قانونية يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة والقانون والقضاء، لا عبر التأويلات ولا عبر ما ينسب إلى المجالس الخاصة.
لقد دفع السودان ثمنا باهظا من الدم والخراب والتشريد والانقسام، ولم يعد يحتمل أن تدار قضاياه الكبرى بالغموض أو أن تصنع مواقفه السياسية من اجتهادات الأفراد.
الدولة الحديثة لا تقول شيئا ويقال عنها شيء آخر.
ولا تترك قراراتها رهينة للروايات المتعددة.
ولا تسمح بأن تتحول الكلمات المفتوحة إلى التزامات مغلقة.
نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة يكون فيها القرار واضحا، والمسؤولية واضحة، والحدود بين الرأي والمعلومة، وبين المقترح والقرار، وبين التفسير والحقيقة، واضحة كذلك.
فالدول لا تبنى بالكلمات وحدها، بل بالدقة في استخدامها.
ولا تحمى المؤسسات بكثرة التصريحات، بل بوضوح المرجعيات.
ولا تصان العدالة بالتسويات الغامضة، بل بسيادة القانون.
وفي مرحلة السودان الحالية، ربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح التأويل بديلا عن القرار.
لذلك تبقى القاعدة الأهم:
الدولة لا تدار بالتأويل.


