حين يتحول الموروث إلى فعل في لحظات الامتحان الكبرى لا توزن المواقف بعدد الخطب، بل بثقل الأثر….وفي (معركة الكرامة) التي خاضها السودان برزت قيادات مجتمعية حولت الإرث إلى مسؤولية، والنداء إلى عمل..وكان لعمودية العمدة عمر محمد الهيلة بمحلية الدويم إدارية وحدة شبشة حضور لافت، جسد كيف يمكن للإدارة الأهلية أن تصبح عماداً للتماسك وسنداً للدولة.
من الصلح إلى الميدان: تحول في معنى العمودية
لم تكن العمودية يوماً لقباً للوجاهة في مجتمع الهيلة هي امتداد لعرف راسخ في جمع الشمل وحسم النزاع، ورعاية الحقوق ومع اندلاع الحرب، توسعت دائرة التكليف. فلم يعد دور العمدة مقتصراً على ديوان العمد، بل انتقل إلى ميادين التعبئة والإسناد وحماية النسيج الاجتماعي.
ترجمة النداء إلى واقع
فور صدور نداء القائد العام للقوات المسلحة بضرورة تلاحم الشعب مع القوات المسلحة، بادرت العمودية إلى تحويله إلى خطوات ملموسة: إنشاء المعسكرات حيث أشرفت العمودية على تأسيس معسكرات تدريب في عدد من قرى المحلية، وتابعتها حتى اكتملت في مشهد يعكس سرعة الاستجابة ومن ثم الإنتقال إلى الجبهات: لم يقف الأمر عند التدريب بل إلتحق أبناء المنطقة بميادين القتال المختلفة، فغدا التلاحم الشعبي مع الجيش ممارسة يومية لا شعاراً موسمياً.
جبل العرشكول: من فكرة إلى ترسانة
يبرز معسكر جبل العرشكول كنموذج للإسناد المنظم. تأسس في 1 نوفمبر 2025م، فتحول من مبادرة أهلية إلى موقع متقدم في منظومة الدفاع.
دوره الدفاعي: حيث شكل سنداً على امتداد الشريط النيلي، وصولاً إلى حدود السودان الجنوبية…ودوره التحريري بعد أن أسهم في عمليات ردع التمرد وتحرير المناطق شمال العرشكول وحتى جبل الأولياء..كما لعب دوره المجتمعي بعد التحرير حارساً للإستقرار، دليلاً على أن الإسناد الشعبي يمكن أن يتحول إلى قوة مؤسسية.
لجنة الإسناد.. حين يصبح القليل كثيراً
واجه المجتمع المحنة بما يملك. فتشكلت لجنة الإسناد والدعم التي جمعت التبرعات العينية والمادية والجهد والوقت…فقد كانت الرسالة واضحة: الوطن لا يسأل (كم تملك؟) بل (ماذا تستطيع أن تقدم؟)..فكان الطعام والماء والكلمة والمال سواء في ميزان الواجب.
تماسك اجتماعي في وجه الإنقسام
أدركت العمودية أن أخطر سلاح في الحرب هو الشقاق…لذلك انصبت جهودها على رأب الصدع، وتقريب وجهات النظر وإطفاء بؤر الخلاف..فالمجتمع المتماسك هو خط الدفاع الأول والوحدة في زمن الشدة هي نصف المعركة.
قراءة في المستقبل
تجربة العمدة عمر الهيلة تفتح نقاشاً حول دور الإدارة الأهلية القادم فهي ليست بديلاً عن الدولة، بل جسراً بين مؤسساتها والناس جسر يربط بين حكمة التراث ومتطلبات الحاضر، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
للعمودية صوت موثق وذاكرة
حتى لا تضيع المآثر في زحمة الأيام كان للعمودية مكتب إعلام يقتفي أثر العطاء، ويؤرخ للمواقف ويجعل من كل مبادرة مجتمعية سطراً في كتاب المجد وعلى رأس هذا المكتب يقف الأستاذ بدر الدين محمد إبراهيم سليمان أمين الكلمة وحارس الذاكرة الذي حول العمل الميداني إلى سرد يليق بتضحيات أهل العرشكوك. هذا التوثيق بلا شك ليس استجداء مديح بل أمانة في عنق الحاضر غداً سيسأل الأبناء: من صمد؟ من أسند..؟؟؟ من إستجاب..؟؟ وستكون الإجابة محفورة في سواعد الرجال الذين جعلوا من (جبل العرشكول) شاهداً على أن: الكرامة موقف والوطن مسؤولية والقيادة خدمة والوحدة قوة والسودان أولاً..وسيظل أبناؤه أوفياء له..رحم الله الشهداء، وحفظ البلاد.


