ليست أزمة السودان في غياب الحوار وحده، بل في العقلية التي ندخل بها إلى الحوار. فكثيرا ما نجلس إلى الطاولة ونحن نحمل قناعة مسبقة بأن الآخر هو من يجب أن يتغير، وأن الخطأ يقيم دائما في الضفة المقابلة، بينما تبقى الذات خارج دائرة المراجعة.
وهنا يبدأ السؤال الأصعب: هل يمكن أن نبني سودانا جديدا بعقليات لم تراجع تجاربها القديمة؟
الحوار الحقيقي لا يبدأ في القاعات، ولا في البيانات السياسية، ولا أمام عدسات الكاميرات؛ بل يبدأ في مساحة أكثر هدوءا وصدقا: داخل النفس. يبدأ عندما يمتلك الفرد أو الحزب أو الجماعة شجاعة أن تسأل نفسها: أين أخطأنا؟ ماذا قدمنا للوطن؟ وما الذي كان ينبغي أن نفعله بصورة مختلفة؟ وهل كانت مواقفنا دائما من أجل السودان، أم خضعت في بعض المراحل لمصالح الحزب أو الجماعة أو حسابات السلطة؟
مراجعة الذات ليست اعترافا بالهزيمة، بل دليل نضج ومسؤولية. فالضعف الحقيقي ليس في الاعتراف بالخطأ، وإنما في الإصرار عليه، وإعادة إنتاجه، وتحويله مع الزمن إلى ثقافة سياسية.
لقد دفع السودان ثمنا باهظا لعقليات الإقصاء واحتكار الحقيقة. وفي مراحل كثيرة اعتقد كل طرف امتلك شيئا من القوة أنه قادر على بناء الوطن وحده، ثم أثبتت التجربة مرة بعد أخرى أن السودان أكبر من أن يحتكره حزب، وأعقد من أن تحكمه جماعة، وأكثر تنوعا من أن تختصره رؤية واحدة.
لهذا فإن الحوار المطلوب اليوم ينبغي ألا يكون مجرد لقاء بين خصوم سياسيين يبحث كل منهم عن أكبر قدر من المكاسب، بل مراجعة وطنية لطريقة إدارة الاختلاف نفسها.
نحتاج إلى الانتقال من سؤال: «من ينتصر؟» إلى سؤال أكثر مسؤولية: «كيف ينجو الوطن؟».
نحتاج إلى الانتقال من تخوين المختلف إلى الاعتراف بحقه في الاختلاف، ومن البحث عن كسر الخصم إلى البحث عن أرضية مشتركة تحفظ الدولة، حتى عندما تتباعد الرؤى والمواقف.
لكن مراجعة الذات لا تعني محو الماضي، كما أن المصالحة لا تعني إلغاء العدالة. فالحوار الذي يتجاهل حقوق المتضررين قد ينتج هدنة، لكنه لا يصنع سلاما مستداما. والمصالحة التي تقوم على النسيان وحده قد تؤجل الأزمة بدلا من أن تعالجها.
لذلك يجب أن يسير الحوار والعدالة في طريق واحد؛ فلا تتحول العدالة إلى انتقام، ولا تتحول المصالحة إلى إعفاء مفتوح من المسؤولية.
كما أن الحوار السوداني لا ينبغي أن يظل أسيرا للنخب السياسية. السودان أكبر من الأحزاب، ومستقبله لا يصنعه السياسيون وحدهم. الشباب والنساء والمجتمع المدني والإدارات الأهلية وأهل الفكر والخبرة والاقتصاد وسائر مكونات المجتمع شركاء في صناعة المستقبل، وكلما اتسعت دائرة المشاركة، ازدادت فرص بناء توافق حقيقي قابل للحياة.
والأهم أن مراجعة الذات والحوار الوطني ليسا مرحلتين منفصلتين ينتظر أحدهما اكتمال الآخر. فلا يمكن أن ننتظر حتى يراجع الجميع أنفسهم ثم نبدأ الحوار. المطلوب أن يسير المساران معا: نتحاور فنكتشف أخطاءنا، ونراجع أنفسنا فنصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي جديد، بل إلى ثقافة سياسية جديدة؛ ثقافة تنتقل من الغلبة إلى الشراكة، ومن الإقصاء إلى إدارة التنوع، ومن احتكار الحقيقة إلى قبول تعدد الرؤى، ومن النظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة للمنتصر إلى الإيمان بأنها ملك لجميع مواطنيها.
وهنا تكمن جوهر المسألة: لا قيمة لحوار يدخل إليه كل طرف مصمما على تغيير الآخرين وحدهم. فالحوار الحقيقي يقتضي استعدادا متبادلا للمراجعة والتنازل والبحث عن المشترك.
وعندما يصبح الوطن هو المرجعية الأعلى، يمكن للحوار أن يتجاوز حدود التسوية السياسية ليصبح بداية لتحول أعمق في الثقافة والممارسة.
فالسودان لن يخرج من أزماته بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما ببناء دولة يتسع فيها المجال للاختلاف، وتحفظ فيها الحقوق، ويصبح فيها التنوع مصدرا للقوة لا سببا للصراع.
وحين يتحول الحوار من وسيلة لهزيمة الآخر إلى وسيلة لإنقاذ الوطن، يبدأ التغيير الحقيقي.


