حين نقلب صفحات التاريخ ونستقرئ عبره، تطالعنا حقيقة خالدة لا يطالها الشك: أن الأمم لا تحيا إلا بالأمن ولا تبنى إلا بالاستقرار، وعلى الرغم من أن آلة التآمر لم تكل يوماً عن نسج خيوط الفرقة وبث سموم الفتنة، ظل السودان شامخاً كالطود، عصياً على الانكسار، منتصراً بعون الله ثم بوعي أبنائه… فالشعب السوداني بفطرته النقية وإدراكه العميق، يعي جسامة الخطر المحدق به، ويواجه عواصف المحن بسلاح الوعي والتلاحم والاصطفاف.
فالأوطان لا تصونها الشعارات الجوفاء، ولا تحميها الخطب الرنانة، بل يحفظها وعي أبنائها والتفافهم الصادق حول رايتها…لقد وقفنا في وجه مليشيا آل دقلو الإرهابية بصلابة لا تتزعزع، مستندين إلى درعنا الحصين وسيفنا البتار، قواتنا المسلحة الباسلة، التي كانت عبر التاريخ وما زالت مقبرة لكل خائن وعميل.
إن السوداني يعرف قدر وطنه جيداً.. يدرك أنه وطن فسيح حدادي مدادي، فرضت عليه معركة الكرامة تحديات جسام، ورغم محاولات الخونة والمرتزقة دس السم في الدسم لإعادة عقارب الفوضى إلى الوراء، سنبقى صامدين كالجبال، لا تهزنا ريح ولا تنال منا المؤامرات..
السودان وطن كبير ومسالم، لم يعتدِ يوماً على سيادة غيره، ولم يتدخل في شؤون الآخرين، وطن يعي بعمق معنى الإنسانية، ويدافع ببسالة عن كرامة شعبه ضد كل عدوان آثم…فالوطن يحيا بإخلاص أبنائه، ويحيا بترابه الطاهر ويحيا بشعبه الأبي، ويحيا بشهدائه الأبرار الذين بذلوا أرواحهم رخيصة لينعم الشعب بالأمن والأمان.
ندرك تماماً حجم المعاناة التي تجرعناها من بطش المليشيا المتمردة، ونعلم يقيناً أن هناك جهوداً جبارة تبذل وخططاً محكمة ترسم في صمت..ومهما بلغت انتهاكات هؤلاء الأوباش الذين لا هم لهم سوى سفك دم المواطن الأعزل، فإننا على موعد قريب مع قطف ثمار النصر…فمن راهن على الوطن واستقراره انتصر، ومن راهن على الخيانة خسر ومن سار في ركب التآمر وباع وطنه بثمن بخس خاب وفشل.
إن السودان كبير بوعي شعبه كبير بتماسكه واصطفافه، وقد تجلت وحدة هذا الشعب وصلابته وفطنته في مواجهة كل حملات التشويه والتضليل، وتجلت متانة العلاقة الأزلية والرباط المقدس بين الشعب وقواته المسلحة، تلك القوات التي بذل أبناؤها الدماء رخيصة عبر كل حقب التاريخ السوداني.. ومهما خلفت هذه الحرب اللعينة من خراب في مؤسساتنا، فإن لدينا يقيناً لا يتزحزح وإصراراً لا يلين بأننا سننهض من جديد، وسنبني ما هدمته الحرب بسواعد هذا الشعب العظيم الذي يثق في وطنه ويعرف قدر ترابه…وفي هذه المرحلة المفصلية والحرجة التي يتعرض فيها الوطن لمؤامرة تمزيقه إرباً إرباً، لا بد من اليقظة ثم اليقظة. فالعدو ما زال متربصاً يحاول إشعال نيران الفتنة في جسد الوطن. والشعوب العظيمة تدرك قيمة الدولة وتعلم ما يبذله القائد من جهد للحفاظ عليها، ولذلك نرى الشعب السوداني يقف اليوم كالبنيان المرصوص خلف قائده وجيشه الباسل لعبور هذه الصعاب وتجاوز التحديات في معركة الكرامة بكل عزم وثبات.
غداً ستنتهي الحرب، وسيدرك العالم أجمع ماذا فعل السودان وقائده للحفاظ على الدولة من الانهيار، وماذا قدم جنوده البواسل في ساحات الوغى من تضحيات جسام لصون مكونات هذا الوطن العظيم. وبقدرة شعبه وحكمة قيادته سيتجاوز كل العقبات وسيجني ثمار وحدته وصموده….فثقة الشعب في جيشه ثقة لا تتزعزع، ورباط مقدس يزداد متانة مع الأيام، يثبت جيشنا عبر الزمن حكمته ونبله وانحيازه الدائم للحق والمواطن. ولولا دماء الشهداء الطاهرة التي ارتوت بها أرض الوطن فعبدت طريق الأمن والاستقرار، ما تحققت كل هذه الانتصارات العظيمة في مختلف محاور القتال.
ستبقى تضحياتهم نبراساً يضيء لنا الطريق، وستبقى ملاحم قواتنا المسلحة والقوات النظامية الأخرى والقوات المساندة لها من مشتركة ومستنفرين ومقاومة شعبية باسلة، شاهداً حياً على عظمة هذا الشعب، ودليلاً قاطعاً على أن العلاقة بين الشعب وجيشه ستبقى رمزاً للوطنية والصمود عبر الأزمان.


