حين يخرج رئيس دولة عظمى ليقول إن لديه ما يعيد الموتى إلى الحياة، فإن العبارة لا تلامس العلم بقدر ما تلامس حدود المصداقية نفسها. فهل نحن أمام اختراق طبي حقيقي، أم أمام تضخيم إعلامي لحالات فردية نادرة؟ التصريح الذي أطلقه النمرود الثاني دونالد ترامب خلال فعالية في البيت الأبيض للترويج لقانون “الحق في المحاولة”، أثار موجة واسعة من الجدل والسخرية، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً عن حدود العلاقة بين السياسة والطب، وعن المسافة الفاصلة بين ما يقوله الحكام وما يصدقه العقل. وهنا يتكرر مشهد بابل القديم؛ فقد قال النمرود الأول “أنا أحيي وأميت” أمام إبراهيم عليه السلام، وقال النمرود الثاني “لدي ما يعيد الموتى”، وكلاهما ظن أن السلطة تعني القدرة على الحياة.
تعود جذور التصريح إلى سياق تشريعي معروف. فقانون “الحق في المحاولة” الذي أُقرّ خلال الولاية الأولى للنمرود الثاني، يسمح للمرضى في المراحل النهائية بالحصول على علاجات تجريبية قبل اكتمال موافقاتها التنظيمية. هذا الإطار، بحسب منتقديه، لا يقدم جديداً لأن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية كانت تتيح منذ سنوات برنامج “الوصول الموسع” لمنح المرضى أدوية غير معتمدة. لكن النمرود الثاني، بأسلوبه المعتاد، حوّل الحالات الفردية النادرة إلى قاعدة عامة، وهنا يلتقي النقد السياسي بالنقد الديني؛ إذ يذكّرنا هذا المشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما سمع”، وبقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يمنعنّك من قول الحق أن تخرج منه إلى غيره”، فالخطاب العام أمانة، والمسؤولية عن كل كلمة تُقال أمام الناس مسؤولية شرعية وأخلاقية قبل أن تكون قانونية، تماماً كما حاسب الله النمرود الأول حين تجاوز حدّه.
في وصف المشهد الراهن، قال النمرود الثاني إنه تعامل مع أشخاص كانوا في عداد الموتى، وتلقى أحدهم الصلاة الأخيرة وسط بكاء أطفاله، ثم تحسّنت حالته بعد إعطائه عقاراً تجريبياً، مضيفاً بعبارة قاطعة: “إنه يعمل”. اللافت أن الرئيس لم يكشف اسم الدواء، ولم يذكر الجهة المصنّعة، ولم يقدم أي بيانات سريرية، بل اكتفى بعبارة عامة عن “الاختبار النهائي”. هذا الغياب التام للتفاصيل حول ما يُفترض أنه اختراق طبي غير مسبوق، هو ما فتح الباب أمام موجة من التساؤلات، ويستدعي في الوعي الإسلامي قاعدة الإمام مالك بن أنس رحمه الله: “لا يؤخذ العلم من أربعة: من سفيه، ومن صاحب هوى، ومن كذاب، ومن مجهول الحال”، فكيف إذا كان الخبر يمسّ حياة الناس وأبدانهم؟ وهكذا كان النمرود الأول يخدع الناس بادعاءاته، وهكذا يفعل النمرود الثاني اليوم.
جاءت الردود المباشرة سريعة وحاسمة. أكد خبراء ومختصون في المجال الطبي أنه لا توجد حتى الآن أي أدوية أو تقنيات مثبتة علمياً تستطيع إعادة شخص توفي وفاة بيولوجية أو دماغية نهائية إلى الحياة، مشيرين إلى أن المقصود هو إنقاذ مرضى كانوا على وشك الوفاة وليس إحياء الموتى. وذهب بعضهم إلى أن ما وصفه النمرود الثاني هو حالات تحسّن نادرة لمرضى في وضع حرج أقصى، وهي مختلفة جذرياً عن نقض الموت البيولوجي. أما منظمة فاكت تشيك فقد أكدت عدم وجود دليل يدعم ادعاءات النمرود الثاني حول إنقاذ آلاف الأرواح بموجب هذا القانون. وفي هذا السياق، يقف الوجدان الإسلامي أمام حقيقة قرآنية خالدة: “وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً”، فالموت والحياة بيد الله وحده، ولا يملك بشر — مهما بلغ ملكه — أن يمنح حياة أو يرد روحاً، وهذا ما أجمع عليه الأئمة الأربعة، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، في مسائل القدر والبعث، فمن ادّعى ما يخالف هذا الأصل فقد قارب حداً لا يجوز له، كما قاربه النمرود الأول حين قال “أنا أحيي وأميت” فذلّه الله بأضعف خلقه.
وفي تطور لاحق، امتد الجدل إلى التقنيات النانوية التي ربطها بعض المتابعين بالتصريح. وبينما لا يوجد أي دليل علمي على وجود “أسرّة طبية” أو تقنيات نانوية قادرة على إحياء الموتى، فإن الحديث عن النانو في سياق إحياء الموتى يستند إلى فرضيات نظرية في مجال “حفظ الجسد بالتبريد” وإعادة إحيائه بواسطة روبوتات طبية دقيقة، وهي تقنيات تعترف مصادرها بأنها “غير ممكنة حالياً”. هذا المزج بين فرضيات مستقبلية بعيدة وتصريح سياسي عابر، هو ما حوّل النقاش من مختبر علمي إلى ساحة خيال علمي، ويستحضر منهج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “البيّنة على المدّعي”، فالمدّعي إذا لم يقم بحجته بقي ادّعاؤه ساقطاً، وهكذا يُبنى النقد البناء: بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالتهويل ولا بالتهوين، فالنمرود الأول ادّعى ثم هلك، والنمرود الثاني يدّعي وينتظر.
يكمن التحليل الأعمق في أن الفجوة ليست في الطب وحده، بل في إدارة الرسالة. فقانون “الحق في المحاولة” نفسه يثير جدلاً واسعاً بين الخبراء، إذ يرون أنه قوّض حماية المرضى وأضعف حقهم في اللجوء إلى القضاء عند الاستغلال، بينما كان بوسعهم الحصول على العلاجات التجريبية عبر برامج قائمة بالفعل. ووسط هذا الغموض، يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام سياسة صحية تُبنى على بيانات موثقة، أم أمام خطاب انتخابي يُبنى على قصص فردية؟ وهنا تظهر الحكمة الإسلامية في ميراث الخلفاء الراشدين؛ فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: “إني وليت أمركم ولست بخيركم”، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “قيمة كل امرئ ما يُحسنه”، فالحكم أمانة، والقول مسؤولية، ومن تكلم فيما لا يعلم فقد تعدّى على العقول قبل الأبدان، والنمرود الثاني يذكّرنا بمن سبقه من المتكبرين الذين ظنوا أنهم يملكون ما لا يملكه إلا الله.
في الختام، يبقى التصريح مفتوحاً على التحقق، لكن الدرس الأهم أن أعظم الادعاءات يستحق أعظم الأدلة. التقدم الطبي الحقيقي يُقاس بالبيانات المنشورة والمراجعة المستقلة، لا بالعبارات الملهمة، وما لم تصدر براهين علمية موثوقة، فإن ما جرى يظل رواية تنتظر العلم لينطق فيها، وتبقى المسؤولية على عاتق من يملكون المنصة ليقولوا للناس ما يمكن إثباته، لا ما يمكن تصديقه فقط. وليتذكّر النمرود الثاني أن النمرود الأول ادّعى الإحياء فأهلكه الله ببعوضة، فبماذا يموت من ادّعى الإحياء في البيت الأبيض؟ ولْيتذكّر قول الله تعالى: “ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً”، فالحكمة ضالة المؤمن، والصدق أساس الرسالة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


