حين تكشف الحرب معادن الرجال، وتغربل المواقف الصفوف، يظهر الذهب الخالص الذي لا يصدأ..لقد كانت حرب الكرامة الوطنية مرآة صافية، كشفت المستور في النفوس، وميزت الخبيث من الطيب. فمنا من سقط جريحاً من شدة الألم وقسوة الجراح، لكنه ما لبث أن نهض من جديد، يضمد جرحه بيمينه ويحمل سلاحه بشماله ليعود أكثر وقوفاً وأشد صموداً…وفينا من ارتقى بنفسه إلى مدارج العلا، وفينا من غرس جذوره في أعماق هذه الأرض الطيبة أكثر وأكثر، فصار كالطود الشامخ لا تهزه العواصف، وفينا من وهب نفسه وأولاده فداءً لهذا الوطن وذوداً عن حياضه.
ونحن شعب خلقنا من معدن الذهب، ذهب لا يصدأ أبداً مهما تكالب علينا العدوان واشتد التآمر. فمثل هذه الخطوب لا تزيدنا إلا قوة، والمصائب ترتقي بنا، والابتلاء يرفعنا منازل الشهداء..وإن كل حزن يعتصر قلوبنا اليوم، وكل دمعة تنساب الآن، سوف تمحى وتتلاشى وسنعود أفضل مما كنا بكثير وسيكشف الله الغمة ويرفع البلاء..وفي خضم هذه المعركة الوجودية، تأتي محاولات خبيثة لتركيع السودان، عبر بوابة القرارات الجائرة للإدارة الأمريكية ومن لف لفها، لفرض إملاءات وشروط تنتقص من سيادتنا وتسلب إرادتنا..ونقولها بملء الفم، وبصوت يزل عروش المتآمرين: إن السودان لن يركع بتاتاً…لن نركع لقرارات تملى علينا من وراء البحار ولن ننحني أمام ضغوط تريد كسر إرادة شعبنا..نحن أحرار في قراراتنا، أحرار في خياراتنا، لا تملى علينا المواقف ولا تفرض علينا الحلول.
إن السلام الذي ننشده ونتمناه، ليس سلام الخنوع والاستسلام، بل هو السلام الذي يأتي وفق ما يحفظ لنا كسودانيين عزتنا وكرامتنا وكبرياءنا.. سلام الأقوياء لا سلام الضعفاء، سلام يحفظ وحدة بلادنا وسيادة أرضنا، ويصون دماء شهدائنا وتضحيات أبطالنا…هذا وعد الحق: (وَمَا النصْر إِلا من عند الله العزيز الحكيم)
فالنصر لنا وهو قادم وقريب جداً (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).. أما من خان وطنه وعمل ضده، وارتضى أن يكون مطية للأجنبي وبوقاً لقرارات الخارج، فهو بلا شرف ولا كرامة ولا يستحق العيش في ثراه، فالوطن والتاريخ لا.. ولن.. يغفران لخائن.


