26.1 C
Khartoum
السبت, أكتوبر 24, 2026

نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولى يكتب: التغيير يبدأ من نفسك

إقرأ ايضا

الحقيقة التي نهرب منها جميعاً، وندفن رؤوسنا في الرمال حتى لا نراها، هي أن التغيير يبدأ من نفسك، لا من الحكومة ولا من الرئيس ولا من الوزير، يبدأ من يدك أنت، من بيتك، من شارعك، من طريقة تفكيرك.

السودان لا يحتمل مزيداً من الفوضى، فقد تعب من الفوضى تعباً شديداً، ولا يحتمل مزيداً من الفقر، وهو أغنى دول الأرض بموارده، أرضه ذهباً، ونيله حياةً، وسماؤه مطراً، وباطنه كنوزاً، ومع ذلك شعبه فقيراً، يمشي على الذهب وهو جائعاً، وينام على النيل وهو عطشاناً، وهذه مفارقة تبكي القلب وتوجع الروح وجعاً لا يطاق.

مشكلتنا ليست في الموارد، مشكلتنا في ثقافتنا، لدينا ثقافة عدم التغيير للأفضل، نحب الشكوى حباً كبيراً ونكره العمل كرهاً شديداً، نحب الكلام الكثير والفعل القليل، ننتظر أن يأتي أحداً من السماء ليصلح لنا الشارع، ليكنس لنا البيت، ليزرع لنا الشجرة، ونحن نتفرج تفرجاً حزيناً، نلوم الحكومة لوماً دائماً ونحن نرمي الأوساخ في الطريق رمياً يومياً، نلعن الظلام لعناً كثيراً ونحن لا نشعل شمعةً واحدةً.

انظروا إلى الشوارع، حفراً وغباراً وأكياساً طائرةً، مخلفات في كل مكان، أنقاضاً ومياهاً راكدةً، وكل واحد يقول أنا مالي، ليس شأني، بينما الشارع هو بيتنا الكبير، إذا كان بيتك الكبير وسخاً فكيف يكون بيتك الصغير نظيفاً.

التقدم ليس وزارةً ولا ميزانيةً، التقدم ثقافةً، ثقافة أجيال تتربى عليها، أن تحب النظام حباً صادقاً، أن تحب النظافة حباً حقيقياً، أن تحب الشجرة، أن تحترم حق غيرك احتراماً كاملاً، أن تعرف أن المصلحة العامة أهم من مصلحتك الصغيرة أهميةً كبرى.

خذوا رواندا عبرةً، رواندا التي كانت قبل ثلاثين عاماً مذبحةً تمشي على الأرض، الدماء تملأ الشوارع ملئاً، الجثث في كل زقاق، القبائل تذبح بعضها بالمناجل ذبحاً بشعاً، كان العالم يقول انتهت رواندا، لن تقوم لها قائمةً، فما الذي حدث، جاء رجلاً صادقاً وقال التغيير يبدأ من نفسك، منع الأكياس البلاستيك منعاً باتاً، جعل يوم السبت من كل شهر يوم نظافةً عامةً يخرج فيه الرئيس نفسه يكنس الشارع، زرعوا الأشجار زرعاً كثيفاً، أضاءوا الشوارع إضاءةً جميلةً، بنوا المدارس بناءً حديثاً، اهتموا بالصحة اهتماماً كبيراً، فصارت رواندا اليوم أنظف دولةً في أفريقيا، وأقوى اقتصاداً، ودولةً تأسست من لا شيء، من رماد الموت إلى نور الحياة، لماذا، لأنهم غيروا أنفسهم تغييراً جذرياً.

لماذا نحن السودانيين لا نرضى ببعضنا، لماذا مختلفون في كل شيء، قبليتي وقبيلتك، حزبي وحزبك، لوني ولونك، حتى في المسجد مختلفون، حتى في الفريق مختلفون، متى نتفق، إذا لم نتفق ونحن في هذه الحرب فمتى نتفق، الحرب أكلتنا أكلاً وما زلنا مختلفين، الجوع كسر ظهورنا كسراً وما زلنا نتشاجر على المناصب تشاجراً مخجلاً.

أما آن لنا أن نرجع للصواب رجوعاً صادقاً، أما آن لنا أن نفهم أن هذا الوطن لا يبنى بالحقد، ولا بالحسد، ولا بالأنانية، يبنى بأن نحب بعضنا حباً حقيقياً، بأن نرى مصلحة الجميع قبل مصلحتي، بأن نعرف أن الشارع النظيف لي وليس للحكومة، وأن الشجرة التي أزرعها يستظل بها ولدي غداً، وأن الورقة التي أرميها في الشارع ستدخل بيتي مع الريح دخولاً أكيداً.

إنارة الشوارع ليست رفاهيةً، نظافتها ليست ترفاً، تشجيرها ليس زينةً، هي كرامة الإنسان، هي عنوان الدولة، الشارع المظلم يلد اللصوص، والشارع الوسخ يلد المرض، والشارع بلا شجر يلد القسوة.

علينا أن نغير أنفسنا، أن نبدأ من الآن، من هذا الصباح، كل واحد يكنس أمام بيته، كل واحد يزرع شجرةً، كل واحد يمنع ولده من رمي الأوساخ، كل واحد يحترم الصف، كل واحد يتوقف عن الرشوة، كل واحد يتوقف عن الكذب، هذا هو المدفع الحقيقي، وهذه هي الدانة، وهذه هي قوة الصاروخ التي ستبني السودان، ليست قوة السلاح، بل قوة الضمير.

السودان يبكي بصوتاً مسموعاً، يقول لنا كفى فوضى، كفى خراباً، كفى حقداً، أريد أن أكون وطناً يشبه مواردي، أريد أن أكون غنياً بشعبي، نظيفاً بشوارعي، مضيئاً بأخلاق أبنائي.

فهل نسمع، هل نغير أنفسنا قبل أن نسأل الله أن يغير حالنا، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذا هو القانون الذي لا يتبدل، وهذه هي الحقيقة التي لا تموت، التغيير يبدأ من نفسك، وإذا لم تبدأ أنت فلن يبدأ أحداً أبداً.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة