36.5 C
Khartoum
الثلاثاء, أكتوبر 27, 2026

لماذا الاعتداء على الأطباء .. عادل عسوم يقول خبر اليوم:

إقرأ ايضا

(الإعتداء على طبيبة بمستشفى الدامر وإغلاق قسم النساء والتوليد).
لا أود الخوض في تفاصيل الخبر، ومهما كانت تفاصيله فإنه مرفوض جملة وتفصيلا، ويزداد الرفض لكون الاعتداء وقع على إمرأة.
في البدء أثمن عاليا المجهود المقدر الذي يبذله الأطباء وكل أصحاب المهن الصحية خلال عملهم النبيل في كل مرافقنا الصحية والطبية، وأخص بالذكر مايفعلونه الآن بين يدي هذه الحرب بعد أن تمكن الجيش بفضل الله من تحرير المستشفيات.
لقد سمعنا وعايشنا اعتداءات على طبيب هنا او هناك خلال حياتنا من قبل، لكنها كثرت في الأشهر الأخيرة من عهد الانقاذ، ولعل السبب تمثل في الضائقة الاقتصادية نتاج الحصار الاقتصادي الأمريكي الذي أصبح عالميا في خواتيم الإنقاذ، وبالتالي نقص الصرف على المستشفيات والقطاع الصحي، وعلى الرغم من ذلك لم تصل تلك الاعتداءات قضية رأي عام، إلا في عهد الدكتور حمدوك، وحينها كان لنقابة الاطباء كلمة من خلال مشاركة نقابة الأطباء (اليسارية) في الثورة وفي الواجهات المسيطرة والقابضة على زمام الأمور، وحينها ازدادت الاعتداءات على الاطباء مع التدهور المريع للقطاع الصحي بكامله خلال فترتي حكم الدكتور حمدوك، وأصبح الأمر قضية رأي عام، وتمكنت نقابة الأطباء من إستصدار قانون حكومي لحماية الأطباء يتضمن الآتي:
تشديد العقوبة والتي تصل إلي السجن عشر سنوات في حق من يعتدي أو يهدد أي كادر طبي أثناء عمله.
ويحدد القانون عقوبات على من يتهجم على المنشآت الصحية ويعمل على تخريبها مما يتسبب في حرمان المواطن من تلقي العلاج.
ولقد جاءت الصياغة بصورة مشددة جدا كالآتي:
(مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد في أي قانون آخر، ودون المساس بالحق في التعويض يعد مرتكبا جريمة ويعاقب عن الإدانة…. )!.
ويتبع هذا القانون تكليف لشرطة (بعينها) للحماية، تماهيا مع هذا القانون.
انتهى
هذا القانون قد تُسُرِّعَ في استصداره، فالسعي إلى إستصدار قانون (خاص) بجهة بعينها فيه اخلال كبير واضرار ب(القوام القانوني) للدولة، علما بأن عدد التعديات على الأطباء خلال تلك الفترة لم تكن بأكثر من الاعتداءات على الأساتذة في الجامعات والمدارس، وقد كانت الاعتداءات على الأساتذة في المدارس والجامعات بتأثير واضح من واجهات اليسار الممثلة في تجمع المهنيين وواجهة قوى الحرية والتغيير وسواها من الواجهات التي كانت تحرك المتظاهرين من الشباب والأطفال خلال الثورة، ولم تسع الحكومة حينها إلى فعل شئ بخصوص الاعتداءات على المعلمين المشمولين كسواهم في القانون (العام) الذي يدين ويجرم الإعتداء على أي موظف في أي مرفق من مرافق الدولة، وهو قانون يمكن المعتدى عليه الانتصاف وأخذ حقه دون حوجة لاستصدار أي قانون جديد، اتذكر حينها (ردودا) من قيادات في واجهة قوى الحرية والتغيير (واحدهم طبيب عضو في نقابة الاطباء) قال بأن الاعتداءات على استاذ بعينه مبررة لكونه (كوز)!
لقد كان الأولى بحكومة الدكتور حمدوك التعامل مع الاعتداءات على اي موظف دولة في مكان عمله بمساواة ودون تبعيض، لكن للاسف لم يحدث ذلك، وكان الأجدر بالجهات القانونية والعدلية دراسة السبب الأساس في تعرض المعلمين بجانب الاطباء سواء بسواء، وكم هي -في الاصل- عدد التعديات التي بنت عليها وزارة الصحة ونقابة الاطباء لتضغط على المؤسسة القضائية لاستصدار القانون الجديد؟!.
على كل حال فقد صدر قانون (حماية الاطباء الجديد) في عهد حكومة الدكتور حمدوك، فهل استطاع حماية الاطباء؟
حادثة اليوم في شندي تجيب على ذلك، ومن يقرأ تفاصيل الحادثة يبين جليا بأن لقانون حماية الاطباء الجديد أثر في تفاصيل الاعتداء -المرفوض من عندي- على الطبيبة، ومن أراد التثبت فليقرأ (الصياغة الشائهة) لهذا القانون التمييزي!
أمر آخر مهم:
لنسأل أنفسنا، ما الذي يجعل مرافق لمريض – قد يكون ابنه أو شقيقه أو والده- إلى الغضب من طبيب؟!
لماذا جزم القانون بأن الخطأ يكون من جانب واحد؟!
ولماذا أعطى القانون الحق للطبيب لمقاضاة المريض أو مرافقه لمجرد التهديد اللفظي؟!
المعهود في أي قانون أن لايصدر بالعجلة التي صدر بها هذا القانون دون دراسة وافية تضع كل التفاصيل صغيرها وكبيرها في الحسبان، فذلك يضمن للناس مآلات جابّة ومنهية للاعتداءات، وكما اسبقت فإن المعالجة إن أريدت؛ حري بها أن تكون على القانون العام الموجود أصلا والخاص ب(كل) موظفي الدولة دون استثناء.
هذا القانون الجديد الذي ينص على الإدانة بالتهديد خطل كبير، إنه يمكن أن يستغل من طرف الطبيب ضد أهل المريض، وبالتالي تكون عليهم (ميتة أو مرضة وخراب ديار) كما يقول المثل، لذلك ليس من العدالة ولا المنطق إصدار قانون خاص وتمييزي لأي جهة بعينها مهما كان تقديرنا لها.
ثم إن كان الأطباء أبناء لنا؛ فإن مرافقي المرضى هم أيضا أبناء وأهل لنا.
أقول:
هناك أمر (تربوي) مهم جدا نغفل عنه وهو:
إن جل الأمهات والآباء منا يتمنون ويسعون حثيثا لأن يصبح أبناءنا أطباء وطبيبات، وان تم المراد، نسبغ عليه كلمة (يادكتور) منذ ولوجه سنة أولى طب، فيتملك البعض من الأبناء (إن لم يكن غالبهم) احساس بالتميز والفوقية وشئ من غرور، فينعكس ذلك على أسلوب تعامله مع الآخرين، ومنهم أهل ومرافقي مرضاه…
هذا الأسلوب في التعامل البيتي له أضراره على أبنائنا الأطباء، ويحتاج إلى مراجعة وتثقيف مجتمعي، وكذلك من واجب الدولة والجامعات الانتباه لذلك ويلزم إدراج جزئية في منهج دراسة الطب تعنى وتبصر طالب الطب بأساليب التعامل مع المرضى والمرافقين، والحق يقال هناك أطباء يكونون مثالا لحسن التعامل مع مرضاهم بما يتمتعون به من دماثة أخلاق، وبالتالي يستطيعون امتصاص غضب مرافقي المرضى عندما يمتذمرون من واقع بعينه في المستشفى أو أمر نتج بسبب المراجعة الطبية، فيكون رده لهم (كمثال):
انتو براكم شايفين الحال في المستشفى، وبلاشك تعرفوا اني ماعندي يد في ذلك، ونسأل الله الشفاء لوالدكم ووالدنا أو ابنكم وابننا…
بالله عليكم هل سيستمر مرافق لمريض في غضبه؟
ولان حدثت وفاة أو – حتي- تشكك من المرافقين في وجود خطأ طبي، فإن الرد بحكمة من الطبيب يسهم في معالجة اي ردة فعل غير سليمة.
الخلاصة:
الذي أخشاه أن يتسبب هذا القانون في استفحال الأمر الذي لأجله تم استصداره، وأخشى حقا أن يصبح أداة في يد (بعض) الأطباء فيستغلونه أسوأ استغلال.
اللهم احفظ بلادنا وأهلنا من كل سوء.
adilassoom@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة