تبقى اقل من شهر واحد ونحتفل بالذكرى التاسعة والستون لإستقلال السودان الذي حدث في الأول من يناير 1956م بعد تضحيات جسام قام بها الآباء والأجداد منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بل قبل ذلك انطلاقاً من الثورة المهدية لقائدها الفذ الإمام محمد أحمد المهدي ومن ثم ثورة 1924م التي قادها البطل علي عبد اللطيف وصحبه الأبرار ومن ثم مؤتمر الخريجين في عام 1938م وفيه أسس مفكرو السودان لكيان قوي يستطيع أن يقارع المستعمر الإنجليزي الغاشم الحجة بالحجة.
غير أن الفن لم يكن غائباً فقصائد خليل فرح الرمزية التي ألهبت حماس شباب السودان كانت سيفاً بتاراً في قلوب (أولاد جون) ولم يتأخر أي شاعر أو موسيقي في ذلك الوقت عن ركب الوطنية الحقة التي لم تتشح حينها بصبغة حزبية أو نعرة عنصرية، بل الجميع كانوا يهتفون عاش السودان حراً مستقلاً
وحسب الوثائق فإنه لحظة رفع أبو الوطنية الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري لعلم الاستقلال- الذي أصبح علماً لدولة الجابون عقب تغييره في حقبة مايو- فإن هذه اللحظة كانت علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث حين أنشد كل الشعب مودعاً آخر فلول القوات البريطانية بالأهزوجة الرائعة ( يا غريب يلاَّ لي بلدك شيل معاك ولدك ولملم عددك ) .
والآن بعد مضي أكثر من 68 عاما من الزمان على هذه اللحظة المفعمة بالوطنية ، مازال بعض العقلاء يرون أننا لم نُحسن التصرف، بل أننا شعب لا يُقدِّر ثمن الحرية والانعتاق بعد أن ساهمت جميع حكوماتنا في أدخال البلاد في نفق مظلم فتأخرنا عن كل الشعوب التي نالت استقلالها معنا أو بعدنا بخمس أو ست سنوات ، ومازالت بلادنا تحتاج الكثير من البني التحتية وكل هم سياسيينا أن كيف يصبح الواحد منهم رئيساً للجمهورية، وكل هم علمائنا في الهندسة والتكنولوجيا والطب والثقافة والاقتصاد كيف يصبح أحدهم وزيراً أو مسؤولاً نافذاً يبني منزلاً فاخراً في أحد أحياء الخرطوم الراقية وتبث صورته ليلاً في الفضائيات ويملأ مساحات البث بالإذاعات حديثاً خاوياً لا يقدم البلاد ولا يشيد كيلو متراً واحداً من الأسفلت في إحدى نقعات (قارسيلا) بوسط دارفور أو في كثبان صحراء العتمور في الشمالية أو في خيران السواقي الجنوبية في كسلا أو يربط بين (أقدي) و(يابوس) في ولاية النيل الأزرق حيث يظل المواطن حبيس الانزلاقات الطينية طوال أشهر الخريف .
ولكن الإنقاذ منذ وصولها لسدة الحكم في 30 يونيو 1989م حاولت اللحاق بباقي الدول في البنية التحتية غير أن الوقت كان قد فات لأن جميع الملفات أمامها كانت مفتوحة، وفتحت لها ملفات أكبر وهي مآلات الحرب الأهلية ، في الجنوب الذي رحل ،ثم في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان ، والتي لا يمكن لأحد معها أن ( يغيِّر قميصه ) ناهيك عن التنمية والعمران بجانب إقصائها لكل معارضيها الذين قضوا زهرة شبابهم في سجونها ومعتقلاتها المرعبة ۔
وبعد نجاح ثورة ديسمبر المغيبة ، حاولت قحت ان تقف على قدميها ولكن الاستلاب الخارجي ومحاولة تغيير مفاهيم الشعب السوداني كلها بجرة قلم لإنتهاجها حرية فضفاضة في السلوك والعقيدة والاخلاق – كية في شعارات الانقاذ الاسلامية – فكان تركيزها في ازالة التمكين وتأمين حقوق المثليين وتطبيق بنود اتفاقية سيداو المعيبة ، فطاشت سهامها التنموية بعيدا كمحصلة نهائية لسياسة التشفي واقصاء الآخر ۔
ثم جاءت الثورة التصحيحية كما سماها الجنرال البرهان ونائبه المتمرد لاحقا حميدتي ، او انقلاب ٢٥ ديسمبر كما سماه اساتذة ودكاترة قحت الذين فروا من محرقة العسكريين بجلودهم وبجوازاتهم الاجنبية الى الخارج وتبنوا الاستقواء بالاجنبي للعودة الى كراسيهم المسلوبة ولو عبر دعم التمرد و( تشليع السودان ) ۔
ومن ثم كانت هذه الحرب الملعونة التي قضت على الأخضر واليابس في سوداننا الحزين بعد ان شرع قائد مليشيا الدعم السريع حميدتي بمعاونة الدكتور حمدوك ووزراء حكومته الفاشلين في الإستيلاء على حكم البلاد عبر فوهة البندقية ۔ ومازلنا نردد ( نحن جند الله جند الوطن .. إن دعا داعي الفداء لن نخن ) ولعلنا حتى يومنا هذا لم نفهم ما كان يرمي إليه الشاعر الكبير الراحل أحمد محمد صالح في أبياته التي أصبحت نشيداً وطنياً لبلادنا ولا أظننا سنفهم في القريب العاجل .
خروج أخير
قال محمد سعيد العباسي
ان التحزب سم فأجعلوا ابدا ۔۔ يا قوم منكم لهذا السم ترياقا ۔
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب 69 عاما لاستقلال السودان ۔۔ اضاعها الفاشلون سياسيا ؟!!


