حفلة القحاطة في كمبالا
عادل عسوم
شاهدت بالأمس نكرة من النكرات التي أتى بها القحاطة إلى حفلهم الذي صرف عليه الكفلاء في كمبالا، وقامت بتوزيع رقاع الدعوة إليه واجهتهم صمود احتفاء بذكرى ثورة 19 ديسمبر، انها ثورة ال(سمبر) التي سرقوها بعد أن جقلبت الخيول وأصبحوا هم حماميدها، وانجعصوا في كراسي حكم لم ولن يكونوا بالغيه البتة بانتخابات، حيث قال قائلهم في ذلك بأن الانتخابات (مابتجيبنا)، وقد باعوا دم الشباب بعد أن خدعوهم من قبل بلاءاتهم الثلاثة، وكانت إحداها هتاف بأن العسكر للثكنات، وكنداكة جات بوليس جرى، أملوها عليهم خلال النهارات ثم تسللوا هم لواذا إلى دور ذات العسكر ليلا استجداء لهم لقسمة السلطة!، هذه الذكرى لماذا لم تحتفلوا بها ايها القحاطة عندما كانت بيوت الناس محتلة طوال عامين؟!
نعود إلى النكرة وقد علمت بأنه ممثل كوميدي واسمه محمد -والإسم سالم- ولقبه (تروس)، لقد شرع يتعرى من بنطاله وقميصه وهو ينادي ب(الحرية) وكأن ملابسه تكبله عنها!
ولمن يتساءل عن (ولع) عموم اليسار بكل درجاتهم وأطيافهم بالتعري وقصة قلع الهدوم دي اذكره بالآتي:
معلوم أن ألفريد كوخ أسس في عام 1926 مدرسة في برلين للحث على ممارسة التعري المختلط بين الجنسين، تنزيلا لمفهوم بأن العري في الأماكن المفتوحة يساعد على تحقيق التناغم مع الطبيعة ويحقق فوائد صحية ويكمل حرية الإنسان ويجعله متصالحا مع نفسه!، وقد كان الألمان في السنوات المبكرة لتأسيس ألمانيا الشرقية الديمقراطية يستحمون عراة خلسة وفي غفلة من رجال الشرطة، ولكن منذ تولى إيريش هونكر السلطة في عام 1971 أصبحت ثقافة الجسد العاري مباحة رسميا باعتبارها ثقافة مجتمعية يدعو لها الحزب الشيوعي الألماني الشرقي الحاكم، و(تروس) ومن معه ليسوا ببعيدين من ذات المفاهيم وهم ينادون بالحرية التي يسمونها (حريااااو)، وهو مفهوم للحرية مافتئوا يقصرون فهمهم لها بتحرر من قيود اللباس وقوانين الأسرة وضوابط الأخلاق!
تروس هذا ذكرني بقصة عايشتها في منطقة (قوقريال) في دولة جنوب السودان، حيث قدّر لي أن أعيش بعضا من طفولتي هناك عندما كان الوالد رحمه الله يعمل (مساعدا طبيا)، كان بمعية الوالد مُمَرِّضٌ من أبناء الدينكا إسمه اوقستينو، على الرغم من كون هذا الممرض متعلم ومثقف ويتحدث (عربي جوبا) والإنجليزية بطلاقة؛ إلا إننا عندما زرناه في قريته في أطراف الغابة وجدناه وكل أهله عراة كما ولدتهم أمهاتهم، فسأله الوالد عن ذلك فأجابه قائلا:
الأصل في إبن آدم العري، ونحن عندما نتعرى نحس بحريتنا كاملة!
وأضاف قائلا:
إن آدم لم يأخذ اوراق الأشجار ويستتر بها إلا بعد عصيانه لربه!
ولم تُجْدِ جهود الوالد رحمه الله في إقناع اوقستينو وأهله بأن المتسبب في كل ذلك هو الشيطان.
وقرأت بعد ذلك بأن فرعون عندما خرج يوما في قومه، إذا بصبي غر أشار إليه ضاحكا وقال:
انظروا للملك العاري!.
فالمعلوم يقينا أن قصة اغواء إبليس لأبينا وأمنا، وأكلهما من الشجرة المحرمة وانكشاف سوءاتهما مذكورة في كل الاديان السماوية، وكذلك في آثار النبوآت جميعا، ولعل القصة تسربت بعد ذلك إلى مصرور وثقافات الأمم الوثنية، وأستصحب فرعون ذلك عندما خرج عاريا إلى رعيته ليمارس ال(حرياااااو).
وهناك مشركوا قريش الذين كانوا يطوفون بالبيت الحرام عُراة، وعندما قدم المسلمون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة المكرمة فاتحين، وطافوا بالبيت (بلباس الإحرام) امتثالاً لأمر الله عز وجل في قوله:
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 31 الأعراف.
ماكان من كفار قريش إلاّ استنكار ذلك، حيث وقر في نفوسهم أن الطواف حول الكعبة عراة هو تمام الحرية، والسبب في ذلك بلا جدال هو تلبيس الشيطان.
وهكذا ظل الشيطان يسعى لنزع لباس بني آدم منذ الأزل إيهاما لهم بأن في ذلك تمام الحرية، وما كان يفعل ذلك إلا ليريهم سوءاتهم فتنة لهم، وبذلك فإن الأمر لا لايقتصر على أهل أوقستينو في جنوب السودان، ولا أهل ألمانيا الشرقية من قبلهم، ولا فرعون من قبل ذلك، انما وصل الى قوم (تروس) من قحاطتنا ومن لف لفهم من احزاب اليسار في السودان.
لقد حكي لي الخال أحمد محجوب حاجنور رحمه عن ساحر أعلن توبته عن السحر، التقاه عندما كان محاضرا في جامعة كانو النايجيرية، قال له بأن الجِنّي إن قَبِلَ بالسُّخرة لابن آدم؛ فإنه يشترط عليه التعرى أمامه كلما التقاه!.
قال لي جدي محمد الحسن حاجنور رحمه الله، وهو الذي اعتاد معالجة الممسوسين:
إن الشيطان لا يمس إبن آدم إلا إذا وجده عاريا!،
وقد قرأت بأن عدد المجانين في ألمانيا الشرقية كان ملفتا لكل من يزور تلك الدولة قبل ان يهدم جدار برلين وتصبح ألمانيا دولة واحدة.
رحم الله جدي فقد كان يأمرنا -ونحن صبية – بأن نستر عوراتنا، وكان لايتهاون في ذلك فيأمرنا بأن نُحْكِمَ إغلاق باب غرفة النوم عندما نبدل ملابسنا، وكذلك باب الحمّام/المرحاض ولاندعه مواربا، وإذا بي أجد ذلك في ثنايا السنّة الشريفة لاحقا إذ قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
(أجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح بابا أجيف وذكر اسم الله عليه).
رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه ابن حبان والحاكم والألباني.
وبذلك على المسلم النأى بنفسه عن العُرِي ما أستطاع الى ذلك سبيلا، كي لايدع للشيطان مدخلا، ولنا في ذي النورين عثمان إبن عفان رضي الله عنه أسوة حسنة وهو الذي وصل به الأمر أن تستحي منه الملائكة، وقد ورد عنه عدم تهاونه في كشف عورته -حتى- وهو يغتسل!.
ولعلي أتحدث عن تعري آخر يخفى على الناس:
التعري ليس بالضرورة ان يكون الملموس الذي نعلمه، إنّما يكون (محسوسا) أيضا. فالإثم له ظاهره وباطنه، يقول الله جل في علاه:
{وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} الأنعام 120
قد يسترسل المرء منّا بخياله ويتذكر مشهدَ عُريٍ، أو تعرض له معصيةٍ اقترفها تحيدُ به عن الاستغراق في الطاعة والإخبات لله خلال صلاته او حين استغراقه في تلاوة القرآن، أو -حتى- في ثنايا التفكُّر في ملكوت الله عندما يكون خاليا، ذاك التخيل (العاري) ينأى بالوجدان عن الارتقاء في مدارج العروج الروحي إلى الله،
قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:
(قل تعالى: … وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها وإذا سألني لأعطينه وإذا استغفرني لأغفرن له وإذا استعاذني أعذته).
والأمر يحتاج إلى خشوع، وإلى قلب حاضر حين الصلاة واداء تلك النوافل، صدعا بقول الله جل في علاه:
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون 2،1
لنأطر أنفسنا أطرأ إلى تذكّر الصور الوضيئة في ثنايا ذكريات تعزّز فينا التقوى، وتعلي من شأن الإيمان في النفس كلما اسلمنا انفسنا لله، فذاك يؤدي تلقائيا إلى مسح كل ذكرى فيها عري ملموس أو محسوس في وجداننا، مما يزيد من وضاءة وجداننا وطهر خواطرنا.
وهنا حري بنا أن نقف هنيهة بين يدي انبياء الله ورسله عليهم السلام وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام، وقد عُهِدَ عنهم جميعهم بأنهم ركنوا إلى (خلوات) قبيل أن يُبعثوا، أمضوا خلالها من الوقت الكثير، تفكّرا في ملكوت الله، وترويضا للخيال في مدارج العروج الروحي إلى الله في عليائه، وكذلك كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم في غار حراء، إلى جاءه جبرائل عليه السلام.
ولعل أمر الخلوة انسرب -حتى- إلى ثقافات لاوصل لها بدين سماوي، ك(رياضة اليوجا) لدى البوذيين وسواهم.
اللهم ألبسنا لباس التقوى، جسدا وفكرا وروحا، وكذلك يوم نقوم إليك يوم البعث والنشور.
في الختام أسمحوا لي بالعودة إلى حفل قحاطتنا في كمبالا، فقد سمعت بأنهم دعوا له أيضا (مغنيات)، ولكوني لم اشاهد فيديو الحفل كاملا أرجو ان لايكن قد عبرن عن الحرية كما عبر عنها (تروس).
نسأل الله السلامة
adilassoom@gmail.com
حفلة القحاطة في كمبالا عادل عسوم


